ارجو الموافقة على طلبي للانظمام كعضو في اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي مرفقا لكم المعلومات الشخصية
إلهاء الشعوب وتحكم النخب: استراتيجية السيطرة الناعمة
بقلم: الباحثة أمل ظاهر
مع تسارع الأحداث وتداخل المصالح، تتجلّى أمامنا بوضوح استراتيجية خفية قديمة متجددة، تنتهجها النخب الحاكمة لضمان بقائها في السلطة وإحكام قبضتها على مفاصل القرار. إنها استراتيجية “إلهاء الشعوب”، التي تهدف إلى شَغل الرأي العام بقضايا هامشية وسطحيّة، بينما تُدار الملفات المصيرية – الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية – في الخفاء، بعيدًا عن أنظار الجماهير.
الإلهاء هنا لا يعني مجرد تشتيت للانتباه، بل هو أسلوب ممنهج ومدروس تُسخّر له أدوات ضخمة لضمان استمرار السلطة دون رقابة أو محاسبة. فعندما تُشغل الشعوب بصراعات تافهة أو أحداث جانبية، تُمنح النخب الحاكمة المساحة الكافية لتمرير أجنداتها ومصالحها الخاصة دون مقاومة تُذكر. ويبرز الإعلام كأبرز أدوات هذه اللعبة؛ إذ يسلّط الضوء على التفاهات ويُغفل، عمدًا، قضايا جوهرية تمس حياة الإنسان كحقوقه، وعدالة توزيع الثروات، ومكافحة الفساد.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مجموعة من الأدوات، يأتي في مقدمتها الإعلام، الذي يُغرق المتلقي بسيلٍ من الأخبار المثيرة والجدالات العقيمة، بينما تُهمّش القضايا الكبرى والمصيرية. أما الترفيه، فقد تحوّل إلى وسيلة لصرف العقول نحو الاستهلاك والمتعة المؤقتة، بدلًا من أن يكون وسيلةً للتنوير وبناء الوعي. وحتى السياسات العامة، أصبحت تلامس القشور دون أن تمس جذور المشكلات، لتتحول إلى حلول شكلية تحفظ استقرارًا وهميًا دون إحداث تغيير حقيقي.
النخب الحاكمة تدرك تمامًا أن الجهل هو الحصن المنيع لاستمراريتها، ولذلك فهي تتحكم في التعليم لتُبقي الجماهير بعيدة عن التفكير النقدي، وتحتكر الاقتصاد لتُبقي الأغلبية في حالة احتياج دائم، وتُسيّر الإعلام بما يخدم مصالحها ويوجّه الرأي العام حيث تشاء. هذا التحكم الشامل في أدوات القوة يجعل من الصعب على الشعوب كسر الحلقة، ما لم تستيقظ وتدرك أبعاد اللعبة.
نتيجة هذا الواقع تظهر في تراجع الوعي السياسي، وتفشي الفساد، واتساع الفجوة بين الطبقات، وتنامي حالة من العجز الجماعي أمام الاستبداد. فتتحول المجتمعات إلى كيانات مستهلكة بلا روح ولا إرادة، تلهث خلف الفتات وتغفل عن حقها في تقرير مصيرها.
الخروج من هذه الدائرة يتطلب وعيًا جماعيًا يبدأ بإدراك الواقع وتحليله، ونشر التعليم الذي يغرس في الأفراد القدرة على التفكير النقدي. لا بد من تحفيز الناس على استعادة دورهم السياسي، والمطالبة بحقوقهم، والضغط من أجل إصلاح حقيقي لا شكلي. فالتغيير لا يصنعه القادة وحدهم، بل تصنعه الشعوب حين تتسلّح بالمعرفة وترفض البقاء في دور المتفرج.
الإلهاء ليس صدفة أو نتاجًا عابرًا لعصر الترفيه، بل هو أداة ممنهجة لإبقاء الشعوب تحت السيطرة. لكنه يفقد فعاليته حين تدرك الشعوب حقيقته. وعندما ينتقل الناس من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن حالة الاستهلاك إلى الوعي والمشاركة، تبدأ معالم التغيير بالظهور.
التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي. وحين تدرك الشعوب أن المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع، تبدأ باستعادة زمام المبادرة، لتصنع واقعها بيدها، وتكتب تاريخها من جديد.
Application
I ask to accept me in members of the International Union of Journalists and writers.
In accordance to the Law of Ukraine «About Protection of Personal Information » I consent to the processing of your personal information.