اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

الإسكان… في صندوق القيم الثقافية

علي القاسمي

هي الوزارة الوحيدة التي حصدت تفاؤلاً منقطع النظير ساعة ولادتها، مصدر التفاؤل أنها ولدت من أجل معضلة رئيسية واضحة تفصح الأرقام المتصلة بهذه المعضلة أنها تشكل أمنية أكثر من نصف الشعب، أتت وزارة الإسكان أيضاً وسط أجواء تبشيرية وإصلاحية محملة بالوعود الدقيقة والمؤكدة على قرب تحوّل الحلم المثير والطويل العمر إلى واقع حقيقي ومشاهدة تملأ العين، كانت المؤشرات تقود إلى وزارة طازجة الولادة وستكون من أعز الوزارات وأقربها للروح والعقل والذاكرة، سالمة من العقد وحروف النقد، لكن الأيام مشت ببطء وهدوء وعُلِّقت أحلام جيل كامل على حبال المبادرات وأوراق الخطط ومشاريع الومضة الخاطفة والتصريحات المخدرة بعض الوقت، لكنه يختفي مفعولها مع شيء من النقاش الحاد والساخن أو التدقيق في الأرقام والصور

أقف هنا عند حرج التصريحات والوعود الحارة والباردة، وليت أن وزارتنا المغلوبة على أمرها – حتى تاريخه – تعتذر عن صياغة الجمل، وتتوقف عن تقديم العبارات الصادمة أو المفاجئة، وإن جارت الظروف أو قست الأسئلة وكان حجم الموجه منها أكبر من القدرة على الالتحاف بالصمت، والذي هو خير من الكلام قطعاً في حال معقدة كهذه. لا يعيب الوزارة في ما لو «كان حيل الله أقوى» أن تجيب بسطر مراوغ ومائل نيابة عن أن تذهب ولو في شكل غير مباشر لنكء الجراح ورمي وزر الخيبات على مواطن كان يدعو لهذه الوزارة بالتوفيق والعون في جيئته وذهابه، ولو علم أن دعاءه وحبه المبكر لهذه الوزارة ستنتجان منه حزمة حلول جديدة لحوّله إلى بوصلة أخرى، فبعض هذه الحلول يحتاج إلى وزارة أخرى تعمل عليها في شكل مستقل، وبعضها أتى متأخراً في جزئية تقديمه على طاولة التصريح الخجول والمبعثر

تبادل رمي الكرة المطاطية للسكن والهرب إلى منفذ «تغيير القيم الثقافية» جاء متأخراً وناسفاً لأي خط دفاع عن وزارة الإسكان، ومحرجاً لمن رفض شك إضاعتها للطريق وغلّب يقين اللمسات الأخيرة من سيرها في الطريق الصحيح، الوزارة بحقّ في حرج شديد مضافاً إليه ما تعرضت له في السنتين الأخيرتين من ارتباك تام في آليات العمل والاعتماد على خطة واحدة تستهدف التنظير بالأرقام وإشغال المهتمين بالحديث عنها إلى أن يأتي الفرج

كان من الذكاء ألا تحضر جملة تغيير اتجاهات شرائح مجتمعية في ما يتعلق بنوعية المسكن وحجمه والمتطلبات الضرورية كواحد من الحلول في المنعطفات المثيرة من مشوار وزارة، فأزمة السكن تحتاج إلى وزارة تعرف ما هو الحل الجذري بالضبط منذ وقت باكر، أما رصّ قائمة من الحلول في التاريخ الذي تُنتظر فيه نتائج مطمئنة فذاك يجعلنا نقول إن الحل المناسب هو تغيير شكلي لاسم الوزارة ولو لبضعة أعوام حتى ننشغل عنها وترتاح من تموج نياتنا تجاهها. التوقعات وحدها ليست كافية في منطقة الفعل والحل، وليت أن وزارتنا تستقطب فريقاً متحمساً لملاحقة هوامير التراب والشبوك والأراضي البيضاء وليكونوا من تشكيلة الفريق الذي يرغب في إيقاف الموسيقى حالياً حتى نتفاءل بحماسة في مكانه ونذهب إلى حلول استثنائية لوزارة استثنائية وأزمة استثنائية، ونعرف أن قضايانا في أيدٍ أمينة لا عضلات سمينة، على الأقل نقول عن الوزارة إنها تفعل شيئاً واضحاً نيابة عن أن نستعير الجملة الشهيرة «آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه» إزاء محاولات وتجارب وأفكار وخطط مشتتة لأعوام طويلة، الكرة المطاطية قد يكون من الملائم نقلها إلى وزارة أخرى ذات علاقة مباشرة بالأراضي، ولتدعم بما تيسّر من الكوادر والإمكانات، صحيح سنخسر حقيبة وزارية، إنما سنجمع أطرافاً متناثرة في جسم يتحمّل، ونصارع ثقافتين بشجاعة، «ثقافة الشكوك وثقافة الشبوك»، وهما ثقافتان من رحم واحد