اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

الإنسانيون ومقياس العدالة الإنسانية: غزة كاشفة الضمائر

300325_Jabalia_RM_005-1024x683

تزداد الشعارات وتبهت القيم، وتكشف الأزمات الكبرى عن معادن البشر، ومواقف المؤسسات، وأقنعة الدول. وفي صدارة هذه الأزمات، تأتي غزة، لا كمجرد مأساة إنسانية، بل كمحك حقيقي واختبار حاسم لمفهوم العدالة الإنسانية التي يتغنّى بها العالم. لقد تحوّلت غزة إلى مرآة كاشفة، لا تعكس فقط واقع المعاناة، بل تفضح الصامتين والمتواطئين، وتُميّز بين من ما زالوا يحملون في قلوبهم بذور الإنسانية، وبين من فقدوا حتى القدرة على التفاعل مع آلام البشر.

إنّ ما يحدث في غزة اليوم من إبادة جماعية وتطهير عرقي، لا يمكن أن يُختزل في موقف سياسي أو انحياز أيديولوجي، بل هو امتحان صارخ للضمير الإنساني. فكل من وقف مع غزة، ودافع عن أطفالها، ورفض استهداف المدنيين، أياً كانت خلفيته الدينية أو العرقية أو الثقافية، فهو ينتمي إلى معسكر الإنسانيين؛ أولئك الذين يضعون كرامة الإنسان وحقه في الحياة فوق كل الاعتبارات.

في المقابل، كل من صمت، أو تواطأ، أو حاول تبرير الجرائم بذرائع واهية، فقد أسقط عن نفسه آخر أوراق الإنسانية. فلا يحق له أن يتحدث عن حقوق الإنسان، ولا أن يرفع شعارات العدالة في محافل العالم. إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بالخطب المنمّقة ولا بتقارير مؤسسات دولية غالبًا ما تفتقر للنزاهة، بل تُقاس بالمواقف في لحظات الحقيقة.

لقد أصبحت غزة اليوم معيارًا عالميًا جديدًا للعدالة الإنسانية، ومسطرة دقيقة تُقاس بها الضمائر. من وقف في وجه الظلم هناك، كتب اسمه في سجلّ الشرف الإنساني، ومن تخلّى أو تردّد، فقد شارك – بصمته – في الجريمة. لأن السكوت عن المجازر مشاركة فيها، والتبرير لها هو خيانة للقيم التي يدّعي العالم أنه يحميها.

العدالة، في جوهرها، لا تتجزأ. لا يمكن لإنسان أن يزعم دفاعه عن المظلومين في مكان، ويتجاهل دماء الأبرياء في غزة. من لا يرى في قتل الأطفال جريمة، لا يمكن أن يعرف طعم الإنسانية. ومن لا يهتزّ قلبه أمام صرخات الأمهات والدمار الذي يطال البيوت والمدارس والمستشفيات، فقد نزع عنه ثوب الإنسان، وإن بقي على هيئة بشر.

الإنسانيون الحقيقيون هم أولئك الذين لم يُضلّلهم الإعلام، ولم تُخدرهم الحسابات السياسية، بل انحازوا، بوضوح، إلى الحق، إلى الكرامة، إلى غزة. لأن غزة لم تعد مجرد قضية، بل باتت خط الفصل بين الزيف والصدق، بين الكلمات الجوفاء والمواقف الحقيقية.

“غزة لا تطلب الشفقة، بل تطالب بالعدالة. من بقي إنسانًا، فليثبت ذلك الآن.”

مقال الاتحاد الدولي للصحفيين والكتاب
أبريل 2025