اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

التهمة جاهزة: الإرهاب أو معاداة السامية — معركة الوعي والشيطنة المصطلحية

1_jU0Vt9cwHX8L0a1TMckCjg

في قلب الصراع المعاصر لا تُدار المعركة بالرصاص وحده، بل بالكلمة والرمز والمصطلح. لقد أدركت القوى المهيمنة أنّ السيطرة على اللغة تعني السيطرة على الوعي، وأنّ من يحتكر تعريف الأشياء يملك سلطة الحكم والإدانة، بل وسلطة نفي الآخر من دائرة الإنسانية. وهنا تبرز الشيطنة المصطلحية: آلية جاهزة لتحويل الفكر الحرّ إلى جريمة، والموقف المستقل إلى خيانة، والنقد الجذري إلى تهديد للأمن أو معاداة للقيم الإنسانية.
فحين ترفض منطق الهيمنة الأمريكية على العالم، تُصنّف فوراً كـ”معادٍ للديمقراطية” أو “مناهض للقيم الغربية”. وحين تكشف وجه الاستبداد المحلي وتتمرد على ثقافة الخضوع، تُصنّف كمثير للفوضى أو مهدّد للاستقرار. وحين تدافع عن حق الشعوب المقهورة، تلاحقك تهمة “الإرهاب”. وحين تنتقد الصهيونية وتعرّي مشروعها الاستعماري، تتأهب لك تهمة “معاداة السامية”. وحين ترفع صوتك مدافعاً عن الشعب الفلسطيني وتدين الإبادة الجماعية التي يتعرض لها، يصبح سلاح الاتهام أكثر شراسة، وكأن الدفاع عن الضحية جريمة، فيما يُترك للجلاد حصانة مطلقة.
إنها قوالب لغوية جاهزة، لا تحتاج إلى إثبات ولا برهان، لأنها لا تبحث عن الحقيقة بل عن إغلاق باب التفكير. فالتهمة ليست مجرد وصف، بل سلاح يُشهر في وجه كل من يحاول أن يتحرر من فكر العبودية، ذلك الخضوع الذي يجعل الإنسان حارساً على قيوده ومدافعاً عن سجّانه.
البنية العميقة للشيطنة
في جوهرها، الشيطنة المصطلحية تقوم على معادلة بسيطة:
من يملك سلطة التعريف يملك سلطة الإقصاء.
فاللغة هنا تتحول إلى محكمة، والمتهم فيها لا يملك حتى حق الدفاع، لأنه يُدان مسبقاً بمجرد التصنيف.
هذه الاستراتيجية ليست وليدة اليوم؛ فقد استخدمتها السلطات المطلقة عبر التاريخ ضد كل من تمرّد على هيمنتها، فوصفت الأحرار بالمتمردين والخارجين على القانون، كما استخدمتها القوى الاستعمارية حين صوّرت المقاومين على أنهم “همج ومتوحشون”، وتستخدمها اليوم القوى الكبرى والأنظمة الاستبدادية لتجريد الخصم من أي شرعية أخلاقية أو سياسية.
معركة الوعي
لكن ما يغيب عن صانعي هذه القوالب أنّ المعركة الحقيقية ليست في قاعات الإعلام ولا في دهاليز السياسة فقط، بل في وعي الناس. فالوعي هو الساحة الأخيرة التي لا يمكن احتلالها إلا إذا استسلم صاحبها. وحين ينهض الإنسان من غفوته ويدرك أنّ الكلمات ليست بريئة، وأنّ المصطلحات قد صيغت لتكبيله لا لتحريره، تبدأ رحلة التحرر.
إنّ معركة الوعي تقتضي أن نفكك المصطلحات، فنُعيد قراءة الكلمات التي نسمعها كل يوم – إرهاب، معاداة السامية، استقرار، إصلاح – ونسأل: من يعرّفها؟ ولمصلحة من؟ وأن ننتج لغة مضادة، نصوغ بها مفرداتنا نحن، لا بوصفها شعارات جوفاء، بل كبنية فكرية تفضح زيف الخطاب المهيمن وتفتح أفقاً جديداً للتحرر. كما تقتضي أن نسلّح العقل بالشك؛ فالشك الفلسفي ليس هدماً للحقيقة، بل تحصيناً من الأوهام. أن تشك يعني أن ترفض أن تُقاد بلغة غيرك.
الشيطنة المصطلحية ليست مجرد حرب على المعارضين، بل حرب على الفكر نفسه. وكلما اتسعت دائرة الوعي وانكشفت هذه اللعبة، سقط السلاح من يد المستبد. فالوعي الحرّ لا يمكن أن يُهزم إلا إذا قبل أن يتكلم بلسان جلاده.
إنها ليست معركة سياسية فحسب، بل معركة وجودية وفلسفية: معركة تحرير العقل من قيود المصطلحات الجاهزة، وبناء إنسان قادر على التفكير خارج الحدود التي رسمها له الطغاة.

اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي