اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

الدكتور احمد البوقري – حاجتنا إلى الإنسانية في زمن يتهاوى

503601452_9965226370225015_2502086153566671215_n

لا أكتب اليوم من موقع المتفرج على عالمٍ يتداعى، بل من قلب المأساة الإنسانية التي باتت تحاصرنا جميعًا، أينما وُجدنا. أكتب لأنني أؤمن أن الصمت في مثل هذا الزمن خيانة للحقيقة، وتواطؤ مع العبث. أكتب لأن الإنسانية لم تعد ترفًا فلسفيا، بل أصبحت آخر ما نملكه من مقاومة في وجه الانهيار.

ما نشهده اليوم ليس تفككًا في المنظومات الاقتصادية والسياسية فحسب، بل هو انهيار في منظومة القيم التي يفترض أن تحفظ الإنسان، تحمي ضعفه، وتُبقي على كرامته حتى في أقسى ظروفه. الإنسان اليوم يداس تحت أقدام الجشع. تحاصره الحروب، وترسم خرائط الأرض لا استنادًا إلى حق الشعوب، بل وفق مقاسات من يملك السلاح والمال. والنتيجة: مآسٍ لا تنتهي، وأطفال بلا مأوى، وشعوب بلا مستقبل.

لم يخلق الإنسان ليكون رقما في نشرة أخبار، ولا “خسارة جانبية” في تقرير عسكري، ولا عبئا في ميزانية دولة تدعي أنها “حامية للديمقراطية”. الإنسان قيمة في ذاته، وغاية في ذاته. وما لم نسترجع هذه الحقيقة الأولى، فلسنا سوى شهود زور على مسرحية الانهيار.

ليست المشكلة في غياب الموارد، بل في ضياع الضمير. ليست الكارثة في نقص الغذاء أو الدواء، بل في وفرة الأنانية، وغياب العدالة، وتطبيع الظلم حتى صار مألوفًا، بل ومطلوبًا.
كيف نقنع شابًا يعيش تحت القصف، أو نازحًا فقد مأواه، أو من تنهار حياته بين أنقاض مدينته، أن العالم لا يزال إنسانيا؟
كيف نواجه هذا الصمت الدولي، وهذه التحالفات التي تدار باسم “الاستقرار”، بينما تدفن فيها الأحياء تحت أنقاض صفقات السلاح؟

ما نحتاجه ليس منظومة فكرية جديدة، بل بعثا جديدًا لتلك الإنسانية الأولى، تلك التي كانت تقول: “الناس سواسية”، وترى في كل فرد إنسانًا لا جنسية له قبل قيمته، ولا لونًا له قبل صوته، ولا دينًا له قبل ألمه.

الإنسانية ليست برنامجًا أمميا، ولا بندا في مؤتمر. إنها جوهر لا يشترى ولا يُباع. إمّا أن نحيا به، أو نتحول إلى مسوخ تديرها الشاشات والأرقام، ونكتفي بالبكاء الموسمي على أطلالنا.

إنني لا أكتب كفيلسوف، ولا كمثقف، بل كإنسان بسيط لم يعُد يحتمل هذا القبح كلّه. أدعو أن نعود إلى أنفسنا، نُراجع اختياراتنا، ونُعيد ترتيب أولوياتنا. ففي نهاية المطاف، لا نملك سوى الإنسان، وإذا خسرناه، خسرنا كل شيء.

 الدكتور احمد البوقري

سفير السلام العالمي – منظمة الدرع الدولية