في الحروب الكبرى، لا تخاض المعارك بالسلاح فقط، بل بالكلمة، بالصورة، وبالمعلومة. فكما للعدو جنوده في الميدان، له أيضا جنود في الفضاء الإعلامي، يتسلّلون إلى العقول بدلًا من الجبهات. هؤلاء هم الطابور الخامس — أخطر أدوات العدو وأكثرها خفاءً، لأنهم لا يرفعون سلاحا، بل يشوهون الوعي ويزرعون الشك ويخدمون أهداف الاحتلال من الداخل
الطابور الخامس لا يظهر بوجه واضح أو شعار محدد، بل يتخفّى خلف شعارات براقة كـ “الحياد” و“الحرية”، بينما هدفه الحقيقي هو إرباك الناس، وإضعاف الثقة، ونشر الفوضى المعنوية يتجسد خطره في نقل الأخبار دون تحقق، وفي تكرار الشائعات حتى تتحول إلى “حقائق” في ذهن المتلقي، وفي صناعة صورة زائفة عن الواقع تبعد الجمهور عن الحقيقة
اليوم، بعد وقف العدوان على غزة، تدخل المعركة مرحلة جديدة: معركة الوعي وهنا يبدأ دور الطابور الخامس في محاولة إعادة صياغة الرواية الفلسطينية، وتحريف الحقائق، وتقديم العدو في ثوب الضحية، بينما يصوّر المقاوم والمظلوم وكأنه المعتدي ومن أخطر أدواته في هذه المرحلة محاولة شيطنة كافة أنواع المقاومة، رغم أن القانون الدولي نصّ بوضوح على حق الشعوب في المقاومة ضد الاحتلال بهذا النهج، يسعى الطابور الخامس إلى تجريم النضال المشروع، وتشويه رموزه، وإفراغ مفهوم الحرية من مضمونه الأخلاقي والقانوني
يستخدم هؤلاء الإعلام الموجّه، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، لنشر الفتنة والإحباط والانقسام الداخلي، وتفكيك النسيج الوطني عبر بث أخبار كاذبة، وتسريبات مشبوهة، وتحليلات ظاهرها وطنية وباطنها ترويج لأجندة خارجية
من هم الطابور الخامس؟
الطابور الخامس ليس بالضرورة مجموعة منظمة، بل هو سلوك وخطاب يخدم العدو ولو من غير قصد ويأخذ أشكالًا مختلفة، منها
من يروج للرواية الإسرائيلية أو يبرر جرائمها تحت ستار “الحياد” أو “الموضوعية الإعلامية”
من يستخدم الإعلام لبث الشك بين الناس أو لتشويه صورة المقاومة والشرفاء
من يتاجر بمعاناة غزة لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية شخصية
ومن يضعف الروح الوطنية من خلال الإحباط، أو نشر الإشاعات، أو بث روح الاستسلام
ومن الأمثلة على نشاطات الطابور الخامس في الفضاء الإعلامي
نشر مقاطع فيديو أو منشورات مزيفة تُظهر الفلسطينيين وكأنهم يعارضون المقاومة أو يرحبون بالاحتلال، بهدف ضرب الالتفاف الشعبي حول القضية
بث شائعات عن “خلافات داخلية” أو “صراعات فصائلية” لإضعاف الثقة بين الناس وقياداتهم
استخدام صفحات ممولة وأسماء وهمية على مواقع التواصل لتشويه رموز وطنية، أو لتبرير جرائم الاحتلال بحق المدنيين
إطلاق حملات “سلام زائف” تساوي بين الضحية والجلاد، وتدعو للتطبيع تحت عناوين براقة مثل “التعايش” و“الإنسانية المشتركة”
الإعلام في مواجهة الطابور الخامس
يقع على الإعلاميين والصحفيين والكتّاب دور وطني وأخلاقي في هذه المرحلة الحساسة فالإعلام الحر ليس فقط ناقلًا للحدث، بل درعًا يحمي الحقيقة، وسلاحًا يواجه التضليل
ولذلك، يدعو اتحاد الصحفيين والكتّاب الدولي كل المؤسسات الإعلامية إلى
تفعيل الرقابة المهنية على الأخبار والمصادر، وعدم نشر أي معلومة دون تحقق موثوق
كشف حملات التضليل الرقمي التي تستهدف معنويات الشعوب العربية والفلسطينية
تعزيز الخطاب الوطني المسؤول الذي يوحّد ولا يفرّق، ويبني ولا يهدم
تدريب الإعلاميين الشباب على رصد الدعاية المعادية وفهم أدوات الحرب النفسية الحديثة
فضح منابر التطبيع الإعلامي التي تحاول تبييض صورة الاحتلال، تحت شعارات “السلام” و“الحرية”
الحرب لم تنتهِ بعد
صحيح أن أصوات القصف هدأت، لكن العدوان الحقيقي لم يتوقف — إنه الآن يستهدف الوعي، الذاكرة، والهوية إن أخطر ما يفعله الطابور الخامس هو إضعاف الإيمان بالحق وعدالة القضية، وجعل الشعوب تتعب من المقاومة لتقبل بما يفرضه العدو من واقع جديد
ولعل أخطر نتائج الطابور الخامس أنه يجعل الإعلام الشريف في موقع الدفاع بدل المبادرة، من خلال إغراق المشهد بأكاذيب متكررة حتى تصبح “مألوفة”، فيبدأ الناس في الشك بالحقيقة نفسها
يدعو اتحاد الصحفيين والكتّاب الدولي جميع الإعلاميين والكتّاب والمثقفين إلى أن يكونوا حراس الحقيقة، وأن يدركوا أن الحياد في معركة الوعي هو انحياز للباطل فالعدو لا يحتاج إلى مزيد من الجنود ما دام هناك من يردّد روايته، أو يبرر أفعاله، أو يزرع الشك في وعي الناس
إن مقاومة الطابور الخامس تبدأ من الوعي، والانتماء، والمصداقية، وتنتهي بانتصار الحقيقة فلتكن أقلامنا جبهة، وكلماتنا سلاحًا، ووعينا خط الدفاع الأول عن أوطاننا وهويتنا
مقالات اتحاد الصحفيين والكتّاب الدولي
Application
I ask to accept me in members of the International Union of Journalists and writers.
In accordance to the Law of Ukraine «About Protection of Personal Information » I consent to the processing of your personal information.