اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

الفلسفة في العصر الوسيط لإتيان جيلسون: أضواء كاشفة على عصر الظلمات

ابراهيم العريس

حتى وإن كان المفكر والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان، قد قدّم في كتابه الشهير «ابن رشد والرشدية» ما كان يمكن أن يعتبر نوعاً من إعادة الاعتبار إلى فكر ما يسمى في التاريخ الفلسفي الأوروبي «القرون الوسطى»، فإن تلك القرون التي بها بدأت الألفية الثانية من التاريخ الميلادي واستمرت حتى القرن الرابع عشر، ظلت تعتبر، بالنسبة إلى الفكر الأوروبي ومؤرخيه، على الأقل، عصوراً مظلمة سادت فيها الكنيسة في أكثر تجلياتها رجعية، معبرة عن نفسها خصوصاً بمحاكم التفتيش التي وقفت متصدية لكل فكر حرّ ولكل محاولة لأنسنة الأفكار والصعود والارتقاء بالمجتمعات، فكان أن حُرّم الفكر الحر وحُظر أي تجديد في المفاهيم. ولأن الأمور اتخذت هذه الصورة، حرص كثر من مؤرخي الفلسفة على تجاهل تلك المرحلة، معتبرينها مجرد فاصل زمني كئيب يجدر نسيانه، بين تجليات الفكر الإنساني القديم كما صيغ في اليونان ثم في ملاحقها في الإسكندرية ومدن الشرق، وصولاً إلى مفكري الإسلام ولا سيما منهم أولئك الذين أعادوا اكتشاف الفكر الإغريقي مترجمين بعض أهم كتبه، وكذلك أولئك الذين أكملوا عمل الأفلاطونية الجديدة، وبين عصور الفلسفة الحديثة التي كان لا بد لها أن تسود بفضل حركة الإصلاح الديني التي طاولت جزءاً من الكنيسة، ثم بفضل التطورات الاجتماعية التي انعكست فلسفات إنسانية مدهشة – من سبينوزا وديكارت، إلى روسو وفولتير وكانط وهيغل…

ومن هنا حين طلع مؤرخ الفكر الفرنسي إتيان جيلسون في العام 1922 بالطبعة الأولى من كتابه «الفلسفة في العصر الوسيط» في جزأيه الضخمين، اعتبر إنجازه عملاً رائداً ثورياً. ثم حين عدّله وأضاف إليه في طبعة لاحقة في العام 1944، تحول الكتاب ليصبح كلاسيكياً وكتاباً عمدة في هذا المجال. واليوم قد يكون من الطبيعي القول أن كتاب جيلسون هذا بات جزءاً من التاريخ على رغم أهميته المطلقة، بالنظر إلى أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد، ولكن دائماً انطلاقاً من إنجاز إتيان جيلسون المهم، قفزات هائلة في مجال دراسة تلك الحقبة الزمنية، ولا سيما مع إنجازات مؤرخي مدرسة «الحوليات»، وبخاصة جاك لو غوف ثم آلان دي ليبيرا بين عشرات الباحثين الآخرين الذين انطلقوا من كتاب جيلسون هذا بالتحديد، ليشتغلوا على كتب ودراسات باتت تشكل اليوم مكتبة متكاملة يضاف إليها الجديد في شكل متواصل

والحقيقة أن الدراسات الحديثة المتعلقة بالقرون الوسطى، لا تنسف إنجازات جيلسون أو تتجاوزها حتى، بل إنها تضيف إليها. وهي تضيف إلى درجة يزعم معها البعض أحياناً أن كتاب «الفلسفة في العصر الوسيط» قد بات متجاوَزاً بعض الشيء. ومع هذا لا تزال له مكانته، الريادية والبحثية التي تبقيه كلاسيكياً لا غنى عنه. ولا بد هنا من أن نفتح هلالين لنشير إلى أن جيلسون نفسه، اعترف لاحقاً في شيخوخته بأنه لو كانت قد توافرت له الظروف والمعارف التي انبنت من حول إنجازات مدرسة «الحوليات»، لعاد إلى كتابه وأحدث فيه تطويرات جذرية

لكن هذا لا يهم كثيراً، طالما أن كتاب جيلسون أدى دوره، ولا يزال… بل لا يزال يعتبر العمل الكلاسيكي الأكبر الذي لم يمهد فقط لثورة دراسات العصور الوسطى في القرن العشرين، بل إنه – وهنا بيت القصيد بالنسبة إلى الأهمية المطلقة للكتاب – أخرج الدراسات القروسطية، من مجاهل الظلام، مؤكداً، على الأقل، أن تلك الأزمنة لم تكن على العتمة التي قد يعتقدها كثر. فالكتاب كان، ووفق دارسيه، أشبه برحلة «استكشافية في ذلك العالم الفسيح المظلم الذي كان الفضول الفلسفي قد استنكف عن التوغل فيه منذ زمن بعيد» وفق قول واحد من أولئك الدارسين، رحلة كان من نتيجتها المباشرة محو الأفكار الكلاسيكية التي كان كثر يحملونها عن زمن كانوا يعتبرونه مجرد مرحلة انتقالية، كما أشرنا، بين الأزمان القديمة وعصر النهضة، مرحلة استيعاب لا مرحلة إبداع… ومرحلة فكر أحادي ينمو على الأقل خوفاً من سلطة الكنيسة. أما جيلسون فإنه أتى ليخبرنا أن العصر الوسيط، لا وجود له كعصر منغلق على ذاته ومحدّد السمات. وذلك بالتحديد، لأنه، فيما كان فكر آباء الكنيسة يحاول أن يسد كل الآفاق، كان مفكرون دُنيويون متحررون، على خطى ويليام الأوكامي في الغرب الأوروبي، وابن رشد في المغرب الإسلامي – ومن قبله ابن سينا والفارابي في المشرق – يفتحون الدروب واسعة أمام انطلاقة فكرية، وصلت إلى ذروتها في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وفي هذا الإطار، يفرد جيلسون مكانة كبيرة لما يسميه، على خطى إرنست رينان «الرشدية اللاتينية»، تلك الرشدية التي تمكنت من أن تنتج إرهاصات فلسفة حديثة تعيد الربط مع الأرسطية، بل حتى تعيد إلى الحياة الحديثة تلك السجالات القديمة بين الأرسطية والأفلاطونية، مروراً بالأفلاطونية المحدثة. ويرى جيلسون أن هذا التجدّد السجالي يمكن اعتباره في حد ذاته انبعاثة مضيئة للفلسفة تمحو عن تلك العصور صفة الأزمان المظلمة

ولعل من اللافت حقاً هنا، ذلك التطوير المدهش الذي أحدثه إتيان جيلسون بين الطبعتين الأولى والثانية من كتابه، حيث نجده يستفيد استفادة كبيرة من العقدين اللذين مرّا بين صدور الطبعتين، وهما عقدان عززا لديه نوعاً من نزعة ارسطية قربته أكثر هو شخصياً، من أفكار القديس توما الإكويني، وإن لم تدفع به إلى معاداة فكر ابن رشد معاداة يتطابق فيها كلياً مع التومائية، بل نجده يحاول التوفيق بين هذه الأخيرة والرشدية، وعلى الأقل من موقع المؤرخ إن لم يكن من موقع الفيلسوف. بل إن موقعه كمؤرخ حاول قدر الإمكان أن يتفادى الوقوع في مطبات الأيديولوجيا، ما مكنه من أن يدخل بكل بساطة وهدوء في ثنايا كل وجهات النظر التي كانت متاحة، ليخلص إلى أن الفكر المسيحي، بما في ذلك «المدرسي» – السكولائي – منه، عرف كيف يؤمّن مرحلة الانتقال بين الأزمان القديمة وزمن النهضة، بحيث إن المسيحية الغربية «عرفت كيف تتابع تطورها الثقافي» بشيء من السلاسة. وهنا يتوقف جيلسون ليشدد على كلمة «تطوّر» على الضد من الجمود الذي يُتهم به الفكر المسيحي في تلك الأزمان ولا سيما بالاستناد إلى استتباب محاكم التفتيش. بل إنه يتساءل: ترى أولم يكن وجود هذه المحاكم نفسها وضحاياها برهاناً قاطعاً على وجود ذلك التطور؟ وأليس من علامات ذلك التطور، كما يفيدنا، أن يكون ج. سكوت اريجين قد جرؤ على السير قدماً في أفكاره رغم كل الإدانات؟ وأليس من علامات التطور أيضاً، ذلك الصراع العنيف بين الجامعات (وغالباً من حول إنجازات ابن رشد نفسه، إذ جوبه بمعارضة تومائية شرسة)؟ وأليس من علامات التطور، يتساءل جيلسون أيضاً، مأساة ايبلار نفسه؟

على هذه الشاكلة من الأسئلة والأجوبة، إذاً، يتابع إتيان جيلسون تبحّره في دراسة ذلك العصر، محاولاً أن ينتشله من غياهب الظلمات التي أوقعه التاريخ، «الخاطئ» فيها، ليقول لنا أن ليس ثمة أية مكانية للحديث عن جمود فكري – وفلسفي تحديداً – يمكن أن يكون قد وسم القرون الثلاثة الأولى من الألفية الثانية، بل على العكس، كانت أزماناً متحركة… لكن المشكلة كمنت في «أن قلة احتفالنا بالمعلومات المتوافرة عنها» و «القفزات الفلسفية التي شهدها عصر النهضة وما بعده» أمور غطت على إنجازات فكرية لم يعد من الجائز السكوت عنها. ولأن إتيان جيلسون لم يسكت، ها هي الموسوعة الفلسفية المختصرة تحدثنا عنه قائلة انه «أحد دارسي فلسفة العصر الوسيط الممتازين في العصور الحديثة ويرجع إلى عمله الفضل في معرفتنا الواسعة المتزايدة بفلسفة العصر الوسيط»

يبقى أن نذكر أن اهتمام إتيان جيلسون (1884-1978) بفلسفة العصر الوسيط نبع من اهتمامه المبكر بديكارت. فهو درسه أولاً وتعمق فيه، ثم أراد أن يعرف كنه الإرهاصات الفلسفية التي أوصلت الفكر الغربي إلى الديكارتية والعقلانية. وهكذا اكتشف «العصر الوسيط» وديناميته… لينتج هذا الكتاب المهم، بل ليكرس كل سنوات حياته لدراسة فكره من جوانبه كافة