ارجو الموافقة على طلبي للانظمام كعضو في اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي مرفقا لكم المعلومات الشخصية
صالح ظاهر | الفوضى الخلاقة: هندسة الفوضى ومخططات تفكيك الشرق الأوسط
الحضارات عبر الزمن تواجه دوما تحدياتٍ وجودية تتأرجح بين صراعاتٍ طبيعية بين قوى الخير والشر، وأخرى مصطنعة تنشأ من أطماعٍ لا تعرف حدودًا. والشرق الأوسط، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي وثقافته العريقة وثرواته الهائلة، لم يكن استثناءً من هذا القانون الأزلي. ومع بزوغ مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، يتكشف لنا أن قوى الظلام تعمل على صياغة واقعٍ جديدٍ تحت غطاء الحداثة والتنمية، لكنه في حقيقته محاولة ممنهجة لضرب القيم الإنسانية والإسلامية التي تشكّل القلب النابض لهوية المنطقة وروحها الحضارية
هنا يطرح السؤال نفسه: ما الهدف الحقيقي من هذا التفكيك المنهجي للهوية الإنسانية؟ وما جوهر المخطط الذي تسعى القوى الكبرى إلى ترسيخه عبر ما يسمى بـ«الفوضى الخلّاقة»؟
الشرق الأوسط الجديد ليس مشروعًا سياسيًا عابرًا، بل هو رؤية فلسفية تهدف إلى إعادة تعريف وجود شعوب المنطقة وإعادة تشكيل وعيها. فالمخطط يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى البنية الأخلاقية والثقافية للمجتمعات، ساعيًا إلى تدمير القيم التي صنعت تماسكها عبر القرون. الإسلام، الذي وُلد من قلب هذه الأرض، يمثل منظومة قيم إنسانية وروحية تتصدى للظلم وتعزز العدالة والمساواة، ولذلك فإن ضرب هذه القيم يعني تدمير الأساس الذي يمنح الإنسان العربي والإسلامي توازنه الأخلاقي والاجتماعي
لقد اختارت قوى الهيمنة أن يكون تفكيك هذه القيم مدخلًا للسيطرة، فتمت إذكاء الفوضى الطائفية، وتأجيج الصراعات المذهبية، وتحويل الدين من قوة توحيدية إلى أداة للانقسام. وفي موازاة ذلك، تُشوه الرموز الثقافية ويُعاد تعريف الهوية، بحيث يُصبح الانتماء للهوى والمصلحة أقوى من الانتماء للوطن أو للمبدأ. وهكذا يتحول الوعي الجمعي إلى ساحة صراع، يفقد فيها الإنسان قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحرية والفوضى
المخطط لا يقف عند حدود القيم، بل يمتد إلى بنية الإنسان نفسه. تُدمّر المبادئ النبيلة التي قامت عليها مجتمعاتنا، كالتعاون والإخاء والتكافل، عبر منظومةٍ من التجهيل الممنهج، وإضعاف التعليم، وتفريغ المعرفة من مضمونها. يُغرق الناس في أزماتٍ يومية لا تنتهي، فيتحول البقاء إلى معركة، والمستقبل إلى فكرةٍ بعيدة المنال. وهكذا يُنتج جيلٌ لا يعرف تاريخه، ولا يدرك هويته، ولا يمتلك الأدوات التي تؤهله لمواجهة مصيره
وفي العمق، يجري تشكيل وعيٍ جديدٍ قائم على الخضوع واليأس. إعلام موجّه يزرع في النفوس قناعةً أن الفوضى حتمية، وأن النجاة لا تكون إلا عبر الاستسلام للقوى الكبرى. تُصوّر الأنظمة الموالية وكأنها الضمان الوحيد للاستقرار، فيما تُقدّم المقاومة على أنها تهديدٌ وجودي يجب القضاء عليه. وتتكامل أدوات المشروع بين الدعم المالي والسياسي والعسكري لتلك الأنظمة، وبين سحق كل من يعارضها بالعقوبات، أو الحصار، أو الحرب، أو التشويه الإعلامي
أما عندما تسقط الأنظمة أو تُستنزف، فإن البديل يكون جاهزًا: أنظمة جديدة أكثر طواعية تُزرع تحت شعارات براقة مثل «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان»، بينما الهدف الحقيقي هو استمرار السيطرة وتكريس التبعية. وتُستخدم لذلك فلسفة الفوضى الخلاقة كغطاء فكري يبرر الدمار باسم البناء، ويُشرعن الحروب بدعوى التحديث
في هذه الفلسفة، يصبح الدين أداةً سياسية تُستثمر لإشعال الصراعات، ويُختزل الاقتصاد إلى وسيلةٍ للاستغلال، حيث تُسيطر الشركات متعددة الجنسيات على الموارد، وتُحرم الشعوب من استقلالها الاقتصادي، وتُعمّق الفجوات الاجتماعية، حتى تفقد المجتمعات توازنها وقدرتها على المقاومة
في جوهر هذا المشروع، تختبئ فلسفة مظلمة: الغايات تبرر الوسائل، حتى لو كانت الوسائل تعني تدمير الإنسان نفسه. في نظر مهندسي هذا المخطط، الإنسان ليس غاية بل أداة؛ مورد يُستغل أو يُستبدل. أما الحديث عن «إعادة البناء بعد التدمير» فليس سوى ستار يخفي واقعًا يخدم مصالح محددة، لا تمتّ إلى العدالة أو التنمية بصلة
لكن السؤال يبقى: لماذا تُستهدف منطقتنا بهذا الشكل المحموم؟ الجواب بسيط وعميق في آنٍ واحد. لأنها ما زالت تحتضن قيماً إنسانية وإسلامية ترفض الظلم وتؤمن بالعدالة والمساواة، ولأنها تملك ثرواتٍ طبيعية هائلة تجعلها مطمعًا، وموقعًا جغرافيًا فريدًا يتيح التحكم في طرق التجارة والطاقة، ولأنها تمثل رمزًا حضاريًا عالميًا؛ وضرب هذا الرمز يعني انتصارًا للاستعمار الفكري والمادي على الإنسان ذاته
إن مواجهة هذا الظلام لا تكون بالعنف ولا بالفوضى، بل بالفكر والوعي والإيمان بالقيم. فمشروع الشرق الأوسط الجديد، رغم ضخامته، ليس قدرًا محتومًا. الشعوب التي تؤمن بذاتها لا تُهزم. والوعي بالمخططات، والتمسك بالمبادئ النبيلة، وتعزيز روح الوحدة بين شعوب المنطقة، هي السبيل لمواجهة قوى البلطجة الدولية
إذا كانت قوى الاستعمار تعتمد على الخداع والتفكيك، فإن الرد يجب أن يكون عبر العلم والمعرفة والتماسك. لأن الظلام مهما اشتد، لا يمكنه أن يصمد أمام نور الوعي، ولا يمكن لقوةٍ في الأرض أن تطفئ شعلة الإنسان حين يؤمن بنفسه وبقيمه وبقدرته على بناء غدٍ أفضل
الدكتور صالح محمد ظاهر رئيس منظمة الدرع الدولية رئيس اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي الأمين العام المؤسس للاتحاد الدبلوماسي الدولي
Application
I ask to accept me in members of the International Union of Journalists and writers.
In accordance to the Law of Ukraine «About Protection of Personal Information » I consent to the processing of your personal information.