اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

المفقودون في سوريا ومخيمات الفلسطينيين: جرح مفتوح ينتظر الحقيقة والعدالة

758067185_27740399862281059_624020314012306792_n

يعود ملف المفقودين في سوريا ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين إلى واجهة الاهتمام من جديد، مع تزايد البلاغات عن اختفاء أطفال وشبان في مناطق مختلفة من البلاد. ولم يعد هذا الملف مجرد قضية إنسانية تخص آلاف الأسر التي تعيش بين الأمل والخوف، بل أصبح أحد أكبر ملفات حقوق الإنسان التي تتطلب تحركا وطنيا ودوليا عاجلا للكشف عن الحقيقة وإنصاف الضحايا.

وتكشف حجم الظاهرة وأرقامها الصادمة عن اتساع المأساة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين في سوريا يتراوح بين 130 ألفا و300 ألف شخص، وهو رقم يجعل سوريا واحدة من أكثر الدول التي شهدت حالات اختفاء قسري في العصر الحديث. كما أكدت المؤسسة الاممية المستقلة المعنية بالمفقودين أنها عالجت خلال العام الماضي أكثر من 75 ألف وثيقة بهدف ربط الأدلة وتحديد مصير الضحايا، في خطوة تمثل بداية مهمة لكنها لا تزال بعيدة عن تلبية حجم المأساة.

وتشمل هذه الحالات المختفين قسرا خلال سنوات النزاع، والأطفال الذين فقدوا داخل مراكز الاحتجاز، وضحايا تنظيم داعش والجماعات المسلحة، إضافة إلى المفقودين أثناء الهجرة واللجوء، والحالات الجديدة التي سجلت بعد كانون الاول/ديسمبر 2024.

ويظل ملف الأطفال المفقودين الأكثر إيلاما، إذ كشفت تقارير وتحقيقات دولية عن وجود شبكات قامت بفصل أطفال المعتقلين عن ذويهم، وتغيير أنساب بعضهم وإيداعهم في دور للرعاية تحت مسميات مختلفة. كما وثقت تحقيقات صحفية تورط جهات رسمية وجمعيات في عمليات فصل الأطفال عن أسرهم ضمن منظومة إدارية معقدة استمرت سنوات طويلة، وهو ما يجعل إعادة لم شمل هؤلاء الأطفال بعائلاتهم مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تحتمل التأجيل.

وفي إطار جهود الكشف والبحث عن الحقيقة، تعمل المؤسسة الاممية المستقلة على إنشاء منظومة متطورة لجمع وتحليل المعلومات، من خلال دمج قواعد بيانات واسعة، وإعداد خرائط للمقابر الجماعية، وتطوير أدوات تحليل حديثة تعتمد على دراسة الأنماط وربط المعلومات، إلى جانب توسيع التواصل مع عائلات المفقودين داخل سوريا وخارجها، رغم الصعوبات الأمنية والإدارية التي تعيق الوصول إلى العديد من المناطق.

إلا أن التحديات التي تعرقل الوصول إلى العدالة لا تزال كبيرة، وفي مقدمتها غياب آلية وطنية موحدة للبحث عن المفقودين، وتلف أجزاء واسعة من الوثائق الرسمية، وصعوبة التحقق من هويات الأطفال الذين جرى تغيير أنسابهم، فضلا عن محدودية التعاون في بعض المناطق، وهو ما يجعل أي تقدم حقيقي مرهونا بوجود إرادة سياسية صادقة وتعاون دولي فعال يضع حقوق الضحايا فوق كل الاعتبارات.

أما فلسطينيو سوريا، فما زالوا يعيشون فصلا آخر من هذه المأساة الإنسانية، حيث لا يزال مصير عدد من الفلسطينيين مجهولا حتى اليوم وفقا للبلاغات الأخيرة، وهو ما يضاعف معاناة مجتمع عانى لسنوات من اللجوء والنزوح وغياب الحماية القانونية، ويؤكد أن قضية المفقودين لا تميز بين سوري وفلسطيني، بل تمس كل إنسان حرم من معرفة مصير أحد أفراد أسرته.

إن ملف المفقودين في سوريا لم يعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبح اختبارا حقيقيا لمدى احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. فالكشف عن مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري، وضمان حق العائلات في معرفة الحقيقة، تمثل جميعها التزاما قانونيا وأخلاقيا لا يسقط بالتقادم. وستظل آلاف الأسر تعيش بين الانتظار والألم حتى تتحول الحقيقة إلى واقع، والعدالة إلى ممارسة، والكرامة الإنسانية إلى حق مكفول لكل إنسان.

أ. عبدالهادي بوسنينة
المفوض العام لمنظمة الدرع العالمية لحماية حقوق وحرية المواطن – فرع النمسا
عضو اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي