حياتك كرسم تخطيط القلب
قمة القلق أن تستعصي الفكرة على كاتب، وإن صافحتني الأفكار كثيراً، فلن أعتب عليها هذه المرة حين تصد بوجهها عني، وتعلن العصيان. الكتابة خليط من الموهبة والرغبة والصدفة والمزاج، هي حال من الإدمان لا تشبهها حال أخرى، تضعك في الواجهة، وقد تعيدك في لحظة مفاجئة لنقطة الصفر. يُظن دوماً أن الكاتب قادر على قلب الموازين، ويؤمل فيه بأكثر مما يملك، ثمة من ينتظره ليرى ماذا يكتب وكيف؟ وهناك من يحاسبه على الكلمة قبل السطر، والأسوأ أن يصنف ويتهم ويجرد من كل الإيجابيات بمعية مقالة واحدة أو سطر عابر، أو لأن خلافاً نشأ لأجل رأي خاطف وتعرية مخلصة لجزء أو مساحة استعذبت الظلام واعتادت النوم والضياع
- أغلق بعد أسبوعين مسيرة عامين متتاليين من الالتزام شبه اليومي بالكتابة مع الصحيفة، وأرسل لي صديق عزيز جداً عبارة بالغة التأثير في شخصي على الأقل، وهو الذي لا يعلم أنني وللمرة الأولى منذ زمن طويل أقف والفكرةَ، لا الكتابةَ، على مرمى من خصام، وللمرة الأولى أيضاً أرغب في أن أقدم نفسي بصفتي إنساناً عادياً يعاني ويتألم ويصيب ويخطئ ويتحدى ويحزن ويعبر عليه بعض اللحظات بشكل قاسٍ من دون أن يتمكن من تعطير الجو المصاحب أو تغييره. الصديق الأنيق والعزيز قال: «لا تتضايق إذا وجدت في حياتك بعض التقلبات، هذا أمر صحي، لأن حياتك مثل رسم تخطيط القلب، إذا كان على خط واحد، فهذا يعني أنك ميت»، ولأن العصيان كان استثنائياً والتقلب حدث، أتت جملته في التوقيت المناسب وكأنما كانت العلاج العاجل لقلق أخذ ينهشني من أجل صيد فكرة تستحق أو الخوض في مساحة أدمنتها وتصالحت معها على رغم كل شيء
- أن تستعصي عليك الفكرة وأنت الصديق الملازم والمستمتع باقتناصها والتجول معها برفقة الكلمات، فذاك يؤكد أنك تكتب من أجل الكتابة لا من أجل شيء آخر، وأن تهبط اضطرارياً في منطقة البحث والمراجعة والصدام مع الأفكار والحيرة في التناول شبه اليومي لما يحيط بنا من أحداث وقضايا وأوجاع وملابسات غامضة، فذلك يشرح أن الكاتب يحاول ألا يقول أي شيء، وألا يضع في مساحته الممنوحة له عن ثقة بأي شيء، والمحاولة فعل اجتهادي بحت
- اليوم هو استثناء، لأن الأفكار شردت تحت تأثير أمر ما، أو خَجِلتُ أن أعبر بها وأنا الذي لا أقف والمزاج الكتابي في هذه اللحظات على خط واحد، الكتابة المتصلة «محرقة» بلا شك لمن جرب أن يخوضها، ولكم أن تعودوا إلى الكتابة المتصلة لا المنفصلة، لأن من لوازم الأولى الالتزام اليومي والثبات والتوازن، أما الثانية فلو لم يكن لها من ميزة إلا التثاؤب الاختياري لكفتها. الهدوء الذي أتجول به معكم الآن في هذا المستطيل نيابة عن أن أغيب، وهو تمرين شرس لمواجهة عصيان
علي القاسمي