اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

خدر..قصة بقلم حسان علي

469797153_561121256879466_8884303814063893077_n

لابدّ أنّه كان شارداً، والاّ كيف يمكن تفسير نهوضه المفاجئ وهذا الألم لم يبرح جسدّه الممدد على السرير، الاّ أنّه يعتقد جازماً أنّه لم يكن نائماً آنئذ، وهو يصّر على ذلك.

متأكّد أنّها أصوات تناهت الى مسامعه، أم أنّه مازال تحت تأثير البنج، استبعد الأمر ولاسيّما بعد انقضاء يومين على خضوعه لعمل جراحي.

الهدوء يعمّ أرجاء المستشفى، والصمت مطبق على المكان على غير العادة وهو كان مستيقظاً فيما يعتقد، أتراه كان نائماً فأيقظه الصوت المنبعث من النافذة، المهم أنّ هذا الصوت قد تناهى اليه، اقتحم صمت غرفته الموحش.

حين سمع الصوت كانت الشمس تميل عن نافذة غرفته المطلّة على الحديقة، وكان ممدّداً في فراشه يتأمل انكفاء أشعة الشمس التدريجي وحلول العتمة وبدت له ظلال الأشجار تتراقص بين حين وآخر بفعل مداعبة الريح لها، حدّث نفسه.

لم يمض وقت طويل على شروده حين سمع الصوت مرة أخرى، لا، لم يكن في هذه المرة مجال للخطأ أو الشّك أو الالتباس، ولا يمكن أن يكون شيئاً آخر، صوت حزين يأتيه من مكان بعيد، ينفذ الى مسام جسده، يهزّ عروقه وأعصابه، شعر أن هذا الصوت يخصّه، يناديه، يستدعيه، وأنّه المقصود وراح يتساءل في نفسه: الام يدعوني وأنا بهذه الهيئة، تململ في سريره محاولاً النهوض، بقايا من الألم تجتاحه، ولكن الأصوات تملأ مسامعه، توقظه من غفوته يودّ لو يستطيع الاستجابة، يشعر باللوعة والحسرة على حالته تلك!!.

أدرك متأخراً أن ما سمعه لم يكن سوى صوت قطار قادم الى المحطة القريبة من المستشفى وها هو ذا يطلق صافرته معلناً مغادرته، تمنّى في أعماقه أن يلحق به، ولكن كيف السبيل اليه وعالم قائم بأكمله يحول دون ذلك، عالم قديم، تجاوز الشباب الى مرحلة الكهولة منذ أمدّ طويل

مرّة أخرى ينطلق الصفير تاركاً فيه مزيج من الشجن واليأس والكآبة، الصوت هذه المرة كان قريباً منه، سمعه بوضوح حين لجأ الى نافذة غرفته متتبعاً صداه، نظر يمنة ويسرة وسرعان ما تبيّن له أن الشارع خال، وكادت تفلت منه الضحكات وراح يقنع نفسه مرّة أخرى أنّه غير قادر على النهوض من سريره فكيف له أن يعرف حقيقة ما سمعه من صوت؟!

أثارته الهواجس وقرر أن يتأكّد بنفسه عندما ارتدى ثيابه بصعوبة بالغة بسبب الألم، وببطء وحذر خطا بضع خطوات في غرفته وفتح الباب بهدوء وتريّث قليلاً قبل أن يهمّ بالانصراف ومضى يسير في الردهات بخطوات ثقيلة حذرة خشية أن تلفت الانتباه اليه وأخيراً وجد نفسه خارج أسوار المستشفى واندفع يحثّ الخطا.

بدت له خيالات الأبنية في الشارع المقابل ولكن الدهشة ساوته حين لم يلمح أو يرى خلال سيره أيّ انسان، الدرب خال من كل شيء، قطع مسافة طويلة وراح يخمّن وجود المحطة في مكان ما في هذه المدينة وبدأ يغذّ السير، والدروب داهمها الظلام، وأخيراً لاحت له المحطة الغارقة بالظلمة، بناء كبير ذات سقف قرميدي متآكل وثمّة سيارات مركونة على الرصيف المجاور وسائقيها غافون على مقاودهم.

دخل المحطة متجهاً الى قاعة كبيرة يفترض انها مخصصة للمسافرين ولكن لم يجد أي مسافر، لا شيء سوى مقاعد خالية ووحشة الصمت تعبث بالمكان، تساءل وهو يبحث عن شباك التذاكر: الى أين يمضي هذا القطار؟!

تأمل في اللوحة الكبيرة التي تحمل أسماء الرحلات ومواعيد مغادرتها وكان قد وصل الى كوّة قاطع التذاكر ولم يكن فيها أيّ موظف وكان صوت صفير القطار يسمعه، قوياً، عنيفاً وصاخباً من الجهة الأخرى من المحطة.

لم يأبه بذلك، قال: سأذهب مباشرة الى القطار، ها هو يناديني وسأمضي به بعيداً.

بدا له القطار من بعيد وقد استغرب هيئته التي بدت غريبة الشكل المهم اجتاز القضبان الحديدية بصعوبة كبيرة، كان البخار يتصاعد من فوّهته وحين صعد تراءت له جماعة من المسافرين راح يدقق في وجوههم ويمعن وكم كانت دهشته عظيمة اذ صرخ: لقد عرفتهم، انهم أحباؤه وأصدقاؤه ليس ذلك وحسب، بل رأى بينهم أبوه وأمه جالسين في أحد أركان المقصورة ولم يكن ليصدّق ما تراه عينيه وكان يعتقد فيما مضى أنّهم ماتوا، لوّح لهم وندّت عنه ابتسامة:

أنتم يا من أحبّهم!

غير أنّ أحد لم يكترث به، لعلّهم لم يروه، حدّث نفسه!؟

حاول الوصول اليهم الاّ أن رجل طويل طاعن في السّن، حالته رثّة وملابسه قذرة حال دون وصوله اليهم، لم يمهله عندما صرخ في وجهه:

ماذا تفعل هنا وكيف تركب القطار، كيف تتجرأ؟

ردّ عليه بشيء من الخوف والتردد: لم أستطيع قطع تذكرة وجئت هنا قبل أن يفوتني القطار؟

هزّ الرجل رأسه بأسىَ قائلاً له بنبرة ودّية: تمهل قليلاً لنرى، وسحب من فوق أحد الرفوف اضبارة كبيرة وبعد أن قلّبها بيديه أخرج منها ورقة راح ينظر فيها ملياً قائلاً له:

لم يرد اسمك في هذه القائمة وعدد الركاب هنا مكتمل ويؤسفني عدم تحقيق رغبتك.

اجتاحته الدهشة لسماعه ذلك فيما الرجل يواصل كلامه:

لا تحزن فقد يتاح لك أن تغادر في رحلة قادمة، دوّى صوت ملأ الأرجاء ومضى القطار مخلّفاً وراءه سحباً سوداء ما أن تلاشت حتى عادت ترتسم أمام عينيه ملامح وجوه خيّل له أن رآها.

 

الأستاذ حسان علي قاص، كاتب فلسطيني وعضو في اتحاد الصحفيين والكتّاب الدولي.