اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

صالح ظاهر – المسرحية الكبرى: فلسفة الهيمنة والعداء المعلن

489835449_9552127674868222_6752445257756542178_n

منذ فجر التاريخ، لم تكن الصراعات الإنسانية مجرد مواجهات أيديولوجية أو نزاعات حضارية كما يصور للناس، بل كانت في جوهرها انعكاسا لصراع المصالح الخفي الذي يدار خلف الكواليس

في عالم اليوم، تعتبر أمريكا وروسيا المثال الأبرز لهذه الثنائية المسرحية، حيث يُعرض الصراع على خشبة السياسة العالمية كأنه معركة بين الخير والشر. إلا أنه إذا ما أزلنا الأقنعة، سنكتشف أن هذه المواجهة ما هي إلا عرض متقن الإخراج يخفي وراءه هدفًا مشتركًا: الهيمنة على الموارد، السيطرة على مقدرات الدول، تقسيم الأوطان ولو على جثث الأبرياء، وإخضاع الشعوب ونهبها، وإعادة تشكيل القيم الإنسانية بما يتماشى مع مصالح النخبة الحاكمة

إنها مسرحية كبرى تدار بأبطال معروفين ودمى خفية، تتبدل فيها الأدوار بين “المنقذ” و”المجرم”، بينما تبقى النهاية واحدة: تعزيز سلطة الإمبراطوريات على حساب الإنسان البسيط

ففي هذا المشهد المتكرر، لا فرق بين القاتل والضحية في حسابات القوى العظمى، إذ يتحول الجميع إلى أدوات في خدمة غاية أسمى عندهم: تثبيت العرش على أنقاض الحقيقة، وإدامة العرض المسرحي حتى يسدل الستار على آخر صرخة حرية

هذا النمط من الصراع ليس وليد العصر الحديث، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الهيمنة الممنهجة. فمنذ أن رفع هتلر شعارات “النقاء العرقي” كواجهة لتبرير التوسع والحروب، إلى حين استخدم ستالين شعار “المساواة الاجتماعية” لبناء نظام مركزي صارم، ظلّ الهدف واحدًا: التلاعب بمصير الشعوب وإخضاعها تحت سلطة مطلقة. كلاهما استند إلى التخويف والخطاب الدعائي، فبسط نفوذهما وأحكما قبضتيهما باسم قيم زائفة

اليوم، يطل المشهد نفسه ولكن بديكور مختلف. الصراع بين القوى الكبرى ليس عشوائيًا، بل هو شكل من التعاون المستتر بين النخب العالمية لتحقيق مصالح خفية. أمريكا تعرض نفسها على المسرح كحامية الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تقدم روسيا نفسها كمدافع عن القيم التقليدية ومقاومة للهيمنة الغربية. لكن خلف الكواليس، يتصافح الممثلان على صفقة واحدة: تقاسم النفوذ والسيطرة

الأحداث العالمية تكشف أن الأدوار موزعة بعناية. كما اقتسمت القوى الكبرى موارد العالم في القرن العشرين عبر الحروب والمعاهدات، تستمر اليوم اللعبة نفسها بأدوات جديدة: التكنولوجيا، الإعلام، الاقتصاد، والفوضى المصطنعة

إنها المسرحية الكبرى التي لا يتغير فيها النص، بل فقط تتبدل وجوه الممثلين. من هتلر وستالين بالأمس، إلى ترامب وبوتين اليوم؛ كلها وجوه مختلفة تؤدي أدوارا متباينة، بينما تبقى الغاية ثابتة: ترسيخ الهيمنة، وإبقاء الشعوب مجرد جمهور مسلوب الإرادة يصفق أو يبكي تحت أضواء المسرح

في هذا السياق، يعاد إنتاج سرديات العداء لتبرير التدخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية. تستعمل هذه السرديات بمهارة فائقة لتوجيه الشعوب وتشتيت انتباهها عن الأهداف الحقيقية للصراعات. وكما كانت الخطابات الدعائية في عهد هتلر وستالين أداة للتحكم بالجماهير وإقناعها بضرورات الحرب أو التضحية، فإن وسائل الإعلام اليوم تمارس الدور ذاته ولكن بطرق أكثر تطورا وخداعا

لم يعد الإنسان غاية في ذاته داخل هذا النظام العالمي، بل تحول إلى أداة تستغل لخدمة المصالح العليا. وكما حول هتلر وستالين الإنسان إلى رقم في معادلات السيطرة، يستمر النهج ذاته اليوم عبر الحروب التي تزهق فيها أرواح الملايين بلا حساب، والأنظمة الاقتصادية التي تفرض الفقر والحرمان على قطاعات واسعة من البشرية

التاريخ لا يعاد تكراره صدفة، بل يدار بعناية دقيقة ليخدم قوى بعينها. القوى الكبرى، في الماضي كما في الحاضر، تحرص على إبقاء العالم في حالة انقسام دائم، لأنه الشرط الضروري لاستمرار الهيمنة. لقد استغل هتلر وستالين هذا الانقسام بوضوح، واليوم تدار الأحداث العالمية بنفس الأدوات والآليات التي تبقي الشعوب حبيسة دائرة مغلقة

إن ما يعرض للبشرية على أنه صراعات حتمية ليس إلا مسرحية كبرى، نصها مكتوب بعناية، وأدوارها موزعة بدقة، ونتائجها محسومة مسبقا. ويبقى الخيار أمام الإنسانية: إما أن تستسلم وتبقى رهينة هذا العرض الدموي المتكرر، أو أن تعيد صياغة دورها عبر تعزيز الوعي الجمعي وفهم طبيعة النظام العالمي الذي يتحكم بمصيرها

إن معركة الوعي وتحرير الإنسانية ليست خيارا ثانويا، بل هي قدر الشعوب التي تسعى للحياة بكرامة. إنها تبدأ بفهم أعمق للعبة الكبرى التي تُحاك في الخفاء، وتستمر بقدرة البشر على كسر القيود، ومواجهة التحديات بإرادة واعية ترفض الظلم وتفتح أبواب الأمل نحو مستقبل عادل، حر، وكريم يليق بالإنسانية

د. صالح محمد ظاهر