اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

فشل القانون الدولي: تحليل فلسفي للأسباب والتحديات وآفاق الإصلاح

 

331735625_890843848819679_3164287582786378331_n

 الدكتور صالح محمد ظاهر
رئيس منظمة الدرع الدولية
ورئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي


القانون الدولي بين فلسفة المبادئ وواقع الهيمنة: تأملات في أزمة النظام العالمي

يُعد القانون الدولي أحد أعمدة تنظيم العلاقات بين الدول، وهو الإطار الذي من المفترض أن يعزز العدالة، ويحمي حقوق الإنسان، ويحدّ من النزاعات المسلحة. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن هذا النظام، برغم بنيته المعيارية، قد أخفق في كثير من الأحيان في تجسيد الأهداف التي أنشئ من أجلها. فما أسباب هذا الفشل؟ وهل يمكن للقانون الدولي أن يتحرر من وطأة المصالح الكبرى ويستعيد إنسانيته المفقودة؟

لفهم هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى الجذور الفلسفية التي تأسس عليها القانون الدولي. من زاوية مثالية، يمثل هذا القانون التعبير القانوني عن الضمير الإنساني الجماعي، فهو يُفترض أن يستند إلى العدالة، والمساواة، واحترام الكرامة البشرية. غير أن هذا الطرح يصطدم برؤية واقعية تعتبر القانون الدولي مجرد أداة لتقنين موازين القوة بين الدول، حيث تسود المصلحة القومية فوق كل اعتبار.

ففي ظل غياب سلطة تنفيذية عالمية، يبقى القانون الدولي عاجزًا عن فرض إرادته. لا توجد جهة تملك القدرة على إجبار الدول على الالتزام، ولا توجد آلية حقيقية لمحاسبة المنتهكين، مما يجعل التطبيق انتقائيًا خاضعًا لحسابات النفوذ. وعندما تهيمن الدول الكبرى على مؤسسات مثل مجلس الأمن، فإن إرادة هذه الدول تصبح أقوى من القانون نفسه، ويتحول ما يُسمى “حق الفيتو” إلى سلاح يُعطّل العدالة باسم السيادة.

التفاوت في القوة بين الدول يفتح الباب واسعًا للتمييز في تطبيق القانون. فما يُعد جريمة في بلد ما يُغض الطرف عنه في بلد آخر، والازدواجية في المعايير باتت سمة واضحة في الممارسات الدولية. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، التناقض الصارخ في التعاطي مع النزاعات في الشرق الأوسط مقارنةً بأوروبا الشرقية، حيث تُعلَن المبادئ في مكان، وتُنكَر في آخر.

المشكلة لا تكمن فقط في البنية المؤسسية، بل تتغلغل أيضًا في الخطاب الفلسفي الذي يبرر المصالح القومية كأولوية مطلقة. الواقعية السياسية، بوصفها رؤية ترى العالم من خلال صراع القوة، قد أسهمت في شرعنة السلوكيات العدوانية للدول الكبرى، فأصبح التدخل العسكري مشروعًا، إذا خدم أجندة الأمن القومي، حتى وإن خالف القوانين الدولية أو مزق المجتمعات المحلية.

في المقابل، أُهملت الفلسفة الأخلاقية التي نادى بها مفكرون مثل كانط، والتي كانت ترى في القانون الدولي تجسيدًا لعقد أخلاقي بين الأمم، لا مجرد ميثاق هشّ تدوسه الأقدام عند أول اختلاف في المصالح. هذه الفلسفة لم تكن يومًا ساذجة، بل كانت نداءً إنسانيًا يتطلب التزامًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن القوة.

التحولات الحديثة أفرزت تحديات جديدة تهدد ما تبقى من تماسك النظام الدولي. التكنولوجيا باتت سلاحًا بيد الدول، تُستخدم أحيانًا للتجسس أو التدخل في إرادة الشعوب، دون مساءلة. التغير المناخي يهدد مصير البشرية، لكنه يُواجَه بسياسات أنانية تؤخّر اتخاذ قرارات جماعية فعالة. والشعبوية الصاعدة في أكثر من دولة أصبحت تقوض الالتزامات الدولية، وتعيد تعريف الوطنية على حساب التضامن الإنساني.

رغم كل ذلك، فإن إمكانية الإصلاح لا تزال قائمة. ما نحتاجه هو إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الدولية الكبرى، لا سيما مجلس الأمن، بحيث يُعاد النظر في آليات اتخاذ القرار فيه، وتُقلَّص امتيازات القوة التي يحتكرها البعض على حساب البقية. كما يجب تعزيز صلاحيات الهيئات القضائية الدولية لتصبح قادرة على تنفيذ قراراتها دون تسييس.

كذلك، من الضروري بناء ثقافة قانونية عالمية تقوم على الشفافية، والمساواة، والعدالة غير الانتقائية، وهذا يتطلب جهدًا جماعيًا من الدول والمجتمعات، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، والمفكرين. فالمعركة اليوم ليست فقط قانونية أو سياسية، بل أخلاقية وفكرية بامتياز.

إن القانون الدولي، في جوهره، ليس مجرد نصوص جامدة، بل تعبير عن التوافق الأخلاقي بين الشعوب. وكلما نجح هذا التوافق في تجاوز المصالح الضيقة، اقتربنا من عالم تحكمه العدالة لا القوة، ويُصان فيه الإنسان لا يُستغل.