ارجو الموافقة على طلبي للانظمام كعضو في اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي مرفقا لكم المعلومات الشخصية
كيف تعيد الأزمة العالمية تشكيل الإنسان العادي في 2026؟
ما أثر الجاري عالميًا في بدايات 2026 على الإنسان العادي؟ رجل الشارع، المهنيين والتجار والصنّاع، المفكرين والكتاب والفنانين، الساسة وصنّاع القرار، الشباب والأطفال – بمعنى آخر شعوب الكوكب وليس دوله؟
ولتحديد السؤال أكثر وفهم معناه، ما أثر الصراع العالمي على شيوخ الجيل الصامت (1928–1945) مؤسسي احترام التقاليد وقيمة الأسرة والعمل الجماعي، وجيل الطفرة (1946–1964) نهضة العمل والطموح المهني، والجيل X (1965–1980) التفكير النقدي والاستقلالية وتوازنات التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وجيل الألفية (1981–1996) الإنترنت والتكنولوجيا، وجيل Z (1997–2012) الرقمية المتطورة وزيادة الوعي الاجتماعي والبيئي والتواصل الرقمي، وجيل ألفا (2013–الآن) الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة؟
يُشكل ويؤثر توالي الزمن والسنين وتصاعد الأحداث والأزمات المحلية والإقليمية والعالمية، على تكوين وعي الإنسان الشعبي كعضو في دولة، في المجتمع الدولي، يمارس دورًا محددًا في الحياة. وما تأثيرات الحروب التاريخية على ذلك الإنسان القديم (قبل تصنيف الأجيال السابقة) ببعيد، ولكن دومًا كان التأثير عليه من أعلى إلى أسفل، أو من الدولة كنظام، يُترجم في قوانين وقواعد تؤثر على مواطني هذه الدول. ولكن مع بدايات القرن العشرين اختلف محل التأثير لتتجاوز الدول كجغرافيا فقط، لتتحول إلى الإنسان أو الشعوب، أو مُستهلك السوق العالمي لمنتجات شركات عابرة القارات والمجموعات المالية الكبرى. هذا التحول في الوعي هو بداية التحكم الحقيقي في الإنسان كمموّل ومستهلك نهائي لمنتجات التقنية والسياسة والدين والتجارة الدولية. أصبحت الإنترنت والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي هي الأدوات المتطورة جدًا للسيطرة العالمية التي تبدأ ببذر بيانات، تُشكّل لمعلومات، فتصاغ لمعرفة موجهة:
«فمتى نجحت في تكوين معرفتك سيطرت عليك».
لذلك، فأثر ما يحدث عالميًا في بدايات 2026 على الإنسان العادي محكوم حتمًا بمحورين: البيانات والمعلومات فقط (أي تجميع أجزاء مبعثرة من أحداث مضت ووقعت فعلًا، ومحاولة تحويلها لمعلومات تربط النقاط ببعضها لمحاولة وضعها في سياق مفيد)، غير أن ذلك يتم حتمًا من صُنّاع الحدث بضمان عدم تحوّل معلومات الإنسان العادي إلى «معرفة حقيقية» تعي وتفهم الصورة الكاملة ونمط وتوقيت حدوثها وتشعّبها. نتيجة ذلك، تقف معلومات و«المعرفة السطحية» لهذا الإنسان عند إدراكه لما يقوده به محتوى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، لأن المهمة الأساسية هي تأمين عدم وصول إدراكنا لحقيقة ما يحدث، بعزل «وعينا» عنه، منعًا من الوصول لتفكير حر حقيقي يسمح للإنسان العادي أن يستوضح، يُحلّل، ثم يُقارن، فيُقرر فيحكم بموضوعية.
وبالتالي تقف به «معلوماته» وليس معرفته عند توجيه الأحداث لمشاعره، فيُحبط، يحزن، يُضغط، يقلق ويُستثار بحجم «معلوماته عن الأزمة». فتغرق وتتيه حياته في البيانات والمعلومات دون «معرفة» تنقذه أو تُشكّل رؤيته. فتخبو أهدافه وتتشتت رغباته وتختل أجنداته، لتضعف قيمه وما يُحفّزه في الحياة، فيفقد في النهاية أي حكمة شخصية لصناعة مستقبله بناءً على «معرفة حقيقية عادلة» لما يجري. والنتيجة فشله حسمًا في إجابة: لماذا أفعل ذلك؟ وما هو الأفضل لي؟ فلا تتوفر له قدرة واقعية لحسم سؤاله: «لماذا اختياري لهذا الطريق سيجعلني أفوز؟» أو أن يكون لديه خطة تخبره أين يتوجه.
هنا، يتجاوز أثر «مظاهر» الأزمة السياسية العالمية (من تحركات عسكرية، قرارات سياسية، تغيّرات جيوسياسية) من لعبة الأمم إلى لعبة البشر. فعندما يُدخل صُنّاع الأزمات الجيل Z ضمن أدوات الحرب على الأرض، ويُدعس الجيل الصامت وتهميش جيل الطفرة، والتشكيك في جيل X، واستهداف واستقطاب جيل الألفية، فنحن لسنا فقط نُشكّل مُقدّرات ووعي لجيل ألفا خانع موجه روبوتي بقيم رقمية سوداء، بل بصدد إعادة تشكيل لتحولات السوق وتغيير مبادئ ومفاهيم معنى الحياة ذاته، وخلق نوع جديد من «الإنسان العادي» ينخرط في مفهوم استراتيجية عالم جديد لا يُشارك فيه، بل يتحول إلى مجرد مستهلك لمنتجاته النهائية، التي يُخطط لحصر مواردها والسيطرة عليها وإعادة توزيعها بقيم ومفاهيم جديدة، تعامل البشر كأرقام لا كخلفاء الله على الأرض (إنسان رقمي عارف / إنسان رقمي عبد).
ما يحدث في بدايات 2026 ليس مجرد خطف رؤساء دول، أو تحريك مُسيّرات استراتيجية، أو تظاهرات عسكرية وتقنية وتفريغ مُدن، أو صراعات أيديولوجية، أو ترسيم جديد لأشكال القوة والردع، بل حشد منظم وممنهج ومُقنّن للسيطرة على الشعوب ذاتها مباشرة، لا التلاعب بنُظم دولها فيؤثر عليها لاحقًا. حتى لو كانت مظاهر ذلك فوضوية وتنافس قوى مختلفة. فتوحّش الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي — كوسيط رقمي بين الإنسان العادي والعالم المُرقمن — فتح الباب للإنسان العادي ليكون مُنظّرًا ومفكرًا ومتنبئًا ومحللًا، ويُكسب النظام الجديد جيوشًا وأبواقًا ومريدين وفزاعات جديدة خارج النمط المعهود، دون فهم حقيقي مقصود لما يجري.
وهذا سبب تعمّد إيقاف «فهمه» عند حدود البيانات والمعلومات كإدراك حدّي دون بناء معرفة حقيقية. والنتيجة خلق نوع جديد من «المفكر الزائد» الذي يصبح فهمه عبئًا عليه وعلى الآخرين. فمع انعدام حقيقة معرفتنا أو سيطرتنا على ما يجري، فطبيعي إصابتنا بشلل تنفيذي، فنُبرر فشل التحليلات بدل تحرّي حقيقتها، لنسقط بهدوء وألم صامت. وهذه إحدى منتجات خلق وإدارة النظام الجديد. المشكلة المؤثرة هي نجاح المنظومة الجديدة في طبع أثرها المتأزم على القرارات الحياتية للإنسان العادي؛ فلم يعد يركز على ما يملك السيطرة عليه فعليًا، ولا يضع حدودًا واضحة، أو يستبدل قلقه بأفعال أو أعمال مفيدة في يومه العادي، بصورة تضمن حفظ وجوده خلال الأزمة لحين فكّها.
فمن مخاطر تأثير فزّاعة ما يحدث عالميًا علينا كأشخاص طبيعيين (أي بدون ثروة مفرطة، قوة غالبة، معرفة حقيقية، قدرات خاصة) هو تعليق أهدافنا دون موعد نهائي، فتبقى كل خططنا أحلامًا أو هواجس فقط. لأننا بدون استراتيجية حقيقية لصورة مستقبلية يمكننا التنبؤ بها بالتفصيل، حتى نضع لها خطة لتنفيذها وتوقع ومراقبة نتائجها. وهذا أحد معطيات النظام الجديد على مستوى الدولة والمجتمع وأعضائه: تفريغ مؤقت — لحين اكتمال الخطة والتقسيم — لأي أهداف حقيقية تُعنى بغرض، فموعد، وخطة، لعمل مستمر يثمر إنجازًا محددًا. ويُطبّق هذا المفهوم على تقسيمات العديد من «الدول» التي تأخذ مسار تعامل الإنسان العادي مع البيانات والمعلومات والمعرفة القشرية، بصورة تضمن عدم تحقق أي حكمة حقيقية لصناعة مستقبلها.
للأسف، فإن ما تمر به الأرض حاليًا مرصود ومخطط له منذ القدم، بحيث يكون توالي الزمن عليه ما يجعله تاريخًا لا واقعًا من صنع الإنسان، ويبقى الأمر بزوغ أجيال متوالية حسب المتوالية الزمنية في الـBlueprint الأصلي المطور بحكمة، لتتأثر بزمن وموقع وجودها في السياق. نحن بصدد تغيّرات بشرية قادمة تشبه اكتشاف النار، الثورة الصناعية، وبداية الإنترنت؛ ستشارك فيها الآلة الإنسان صنع القرار وتخطيط مستقبل البشر. أما الإنسان العادي، فهناك منهجيات قاسية جدًا تُمارس لعرقلة أو تشتيت وتفتيت «وعيه الكوني» ومنع بداية اتحاد شعوب العالم، بدلًا من منظومة الأمم المتحدة وأجهزتها الموجهة لتحقيق تكامل النظام الجديد، مع مجاهدات عنيفة ضد الوعي الشعبي العالمي الحافظ لمفهوم الدولة والواعي بقيمة شعبها، بدل نهج قطيع الإنسان العادي ورفاقه من دول تُدار وتُستغل كحطب في إنضاج النظام العالمي الجديد.
في خضم هذا المشهد العالمي المتشابك، لا يبدو الإنسان العادي مجرد ضحية سلبية بقدر ما هو هدف مركزي في معادلة الصراع الجديدة. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول الأرض أو الموارد أو النفوذ، بل حول الوعي، والاختيار، ومعنى الفعل الإنساني ذاته. ومع أن أدوات السيطرة اليوم أكثر تعقيدًا ونعومة، إلا أن المساحة المتبقية للفعل لم تختفِ تمامًا، لكنها أصبحت أضيق وتتطلب وعيًا مختلفًا.
إن أخطر ما قد يخسره الإنسان العادي في 2026 ليس دخله أو أمنه أو استقراره، بل قدرته على الفهم المستقل، وعلى التمييز بين ما يُدفع إليه وما يختاره فعلًا. فاستعادة المعنى تبدأ من إدراك حدود ما نملك السيطرة عليه، والانسحاب الواعي من استنزاف المشاعر، وتحويل القلق من استهلاك سلبي للأحداث إلى فعل يومي محدود لكنه حقيقي.
ربما لا يملك الإنسان العادي تغيير مسار الأزمة العالمية، لكنه يملك — إن وعى — ألا يتحول إلى مجرد رقم داخلها، أو أداة في إعادة إنتاجها. وفي عالم يُعاد تشكيله بسرعة غير مسبوقة، تبقى المعرفة الحقيقية، لا كثافة المعلومات، آخر خطوط الدفاع عن إنسانيتنا.
محمد بكري – القاهرة – 18 يناير 2026
Application
I ask to accept me in members of the International Union of Journalists and writers.
In accordance to the Law of Ukraine «About Protection of Personal Information » I consent to the processing of your personal information.