اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

مقتطف من قصة القاص والكاتب الصحفي الفلسطيني حسان علي

 

600302250_25427328870254848_2806557044266310753_n

لم يكن الخوف طارئًا علينا؛ كان جزءًا من الهواء الذي نتنفّسه. كبرنا ونحن نحسب الخطوات، ونخفض أصواتنا قبل أن نعرف معنى الصمت، حتى صار وعيُنا أسبق من أعمارنا، وثقلُ الحذر أثقل من حقائب المدرسة. كانوا يقولون إن الخوف يورَّث، وكنا الدليل

العبودي لم يكن رجلًا فحسب، كان فكرةً متجسدة؛ ظلًّا طويلًا يتقدّم على جسده، وصوتًا يُسمَع حتى في غيابه. لم نره يومًا يرفع عصاه، ومع ذلك كنا نشعر بألمها. تعلّمنا الخنوع كما يتعلّم الأطفال الحروف الأولى، بلا شرح، بلا اعتراض، كأنه قانون الطبيعة

حين شاع خبر موته، لم يفرح أحد. ساد ارتباك غريب، أشبه بارتطام الذاكرة بجدار لا يُرى. الآباء همسوا، والأمهات شددن الأطفال إلى صدورهن، وكأن الخبر نفسه فخّ. لم يجرؤ أحد على تصديقه كاملًا، فكيف يموت من علّمنا أن الموت لا يقترب منه؟

ظلّ الجثمان ممدّدًا، لا يقتربون منه إلا بنظرات مسروقة. السؤال لم يكن: هل مات؟ بل: ماذا لو لم يمت؟ ماذا لو فتح عينيه فجأة، وسألهم لماذا تجرؤوا على الشك؟ اختلفوا في دفنه، تأجّل القرار، كأن الأرض نفسها ترفض استقباله، أو كأنهم يخشون أن يُدفن حيًّا فيعود، أو يُدفن ميتًا فينهض

تسرّبت الحكايات سريعًا: من رآه يتحرّك، من سمع صوته ليلًا، من أقسم أنه مرّ قرب بيته بعد الغروب. كانوا يعرفون، في قرارة أنفسهم، أنه ميت لا محالة، لكن المعرفة لم تكن أقوى من الخوف. فالعبودي، حتى وهو جثة، ظلّ سيّد المشهد

وفي تلك الليلة، فهمنا نحن الأطفال ما لم يجرؤ الكبار على قوله: أن الطغيان لا يموت بسهولة، وأن الخوف حين يُربّى طويلًا، لا يحتاج إلى جسد ليبقى. مات العبودي، نعم… لكننا أدركنا، بوعيٍ يفوق أعمارنا، أن دفنه الحقيقي لم يبدأ بعد

نبذة عن القاص والكاتب الصحفي الفلسطيني حسان علي

حسان علي قاصّ وكاتب صحفي فلسطيني، نُشرت له العديد من القصص والمقالات الصحفية والأدبية في منصات ومواقع ثقافية وإعلامية مختلفة. ينتمي إلى مخيم السيدة زينب الفلسطيني في سوريا، حيث تشكّلت ملامح تجربته الأولى مع الحكاية والذاكرة والمنفى، وهو ما انعكس بوضوح في مجمل أعماله الإبداعية

تنشغل كتاباته بأسئلة الخوف والإنسان المقموع، وتلامس الذاكرة الجمعية والواقع الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، من خلال أسلوب سردي مكثّف يجمع بين البعد الإنساني والرمزي، ويمنح الصوت للتجارب المهمّشة والهامشية. وهو عضو في اتحاد الكتّاب والصحفيين الدولي