اتحاد الصحفيين
والكتاب الدولي

تفاصيلنا الانتساب للاتحاد

من يصنع الطغاة غير شعوبهم؟

 

ى

عبر التاريخ، لم يكن الطغاة ظاهرة استثنائية، بل كانوا دائمًا نتاج مجتمعاتهم. لم يولدوا طغاة بالفطرة، ولم يصبحوا مستبدين بين ليلة وضحاها، بل نمت سلطتهم وتضخمت بفعل الصمت والتواطؤ والخوف الذي سيطر على شعوبهم. فالطغيان ليس مجرد صفة فردية، بل هو منظومة متكاملة، تشترك في بنائها الشعوب من خلال الاستسلام والتسليم المطلق بالواقع.

كيف ينشأ الطغيان؟

الطغيان لا يمكن أن يوجد من دون بيئة حاضنة تسمح له بالنمو والتمدد. حين تقبل الشعوب بالظلم، سواء عن خوف أو جهل أو تملق، فإنها تمنح المستبد قوة إضافية للاستمرار. الحاكم المستبد لا يستطيع أن يحكم بمفرده، بل يحتاج إلى أدوات تسانده، سواء كانت أجهزة قمعية أو مؤسسات تبرر جرائمه، لكن العامل الأهم يبقى صمت الشعوب واستسلامها.

في المجتمعات التي يُغيب فيها الوعي، يصبح الحاكم فوق النقد، ويتحول إلى رمز مقدس لا يجوز مساءلته. هنا يبدأ الطغيان بالتجذر، حيث يختلط الخوف بالولاء، وتنشأ ثقافة تبرير الظلم، حتى يصبح الاستبداد واقعًا لا يقبل النقاش.

دور الشعوب في صناعة الطغاة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الطغاة هم من يصنعون أنفسهم بفضل دهائهم السياسي أو قوتهم العسكرية، لكن الحقيقة أن الشعوب هي التي تمهد لهم الطريق. عندما تصمت الأغلبية عن الظلم، وعندما تتجاهل الانتهاكات بحجة أنها لا تؤثر عليها مباشرة، فإنها بذلك تشارك، ولو بشكل غير مباشر، في صناعة الطاغية.

في كثير من الأحيان، تتغذى الأنظمة الاستبدادية على الخوف والتضليل، فالحاكم لا يحتاج دائمًا إلى القمع المباشر، بل يكفيه أن ينشر مناخًا من الرهبة، حيث يخشى الناس حتى من التعبير عن آرائهم. وحين يغيب الوعي الجمعي، تتحول الشعوب إلى قطعان تسير خلف الحاكم، حتى لو كان يقودها نحو الهاوية.

هناك أيضًا من يصنع الطغاة طوعًا، من خلال تمجيد الزعيم، وتصويره على أنه المنقذ، واعتباره فوق المحاسبة. هذه الفئة لا ترى في الحاكم المستبد مسؤولًا يجب أن يُسأل عن أفعاله، بل تراه قائدًا ملهمًا، حتى لو كان سببًا في معاناتها. في مثل هذه المجتمعات، لا يحتاج الطاغية إلى فرض سلطته بالقوة، لأن الناس أنفسهم يضعونه في موضع لا يُسمح لأحد بالمساس به.

هل يمكن للشعوب أن تتحرر؟

إذا كانت الشعوب قادرة على صناعة الطغاة، فهي بالتأكيد قادرة على التخلص منهم. عبر التاريخ، لم يستمر حكم مستبد إلى الأبد، لأن إرادة الشعوب، مهما تأخرت، تبقى أقوى من أي نظام قمعي. قد يبدو أن الطغاة لا يُهزمون، لكن الحقيقة أن أي سلطة تستمد قوتها من الخوف والتضليل تظل هشة، وعاجلًا أم آجلًا، تنهار أمام وعي الناس وإصرارهم على نيل حقوقهم.

لكن التحرر لا يأتي من الفراغ، بل يحتاج إلى وعي حقيقي، ورفض لكل أشكال الاستبداد، وعدم الوقوع في فخ عبادة الأشخاص. لا يمكن لأي مجتمع أن يكون حرًا ما لم يدرك أن الحاكم موظف لدى الشعب، وليس العكس، وأن الصمت عن الظلم اليوم يعني مزيدًا من القمع غدًا.

الطغيان ليس ظاهرة فردية، بل نتيجة لثقافة ترسخت عبر الزمن، سمحت للحاكم أن يتحول إلى مستبد لا يُسأل عما يفعل. الشعوب التي تخضع للحكم القمعي ليست مجرد ضحايا، بل هي جزء من المشكلة، لأنها بسلبيتها وتخاذلها تساهم في استمرار الظلم. لكن كما أن الطغاة لا يولدون طغاة، فإن الشعوب أيضًا يمكنها أن تتحرر متى ما أدركت أن مصيرها بيدها، وأن الخوف لا يصنع إلا المزيد من الاستبداد.

اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي