ارجو الموافقة على طلبي للانظمام كعضو في اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي مرفقا لكم المعلومات الشخصية
يشبه الحلم
في كل مرّة كنت أعود فيها الى البيت في ساعة متأخرة تستوقفني خطواتي أمام بيتها، أنظر مشدوهاً الى نافذة غرفتها فألمح خيالها من خلف الستارة، أطلق زفراتي وأمضي ولكن هذه المرّة تسمّرت وأنا أجول بنظراتي لعلّي ألمحها، انتابني هلع وشعور غامض حتى انني لم أفكر بالذي يمكن أن أفعله؟ ولا بالذي يعنيه وقوفي في هذا المكان وبمثل هذا الوقت من الليل؟!
صارت رؤيتها بالنسبة لي جزء من طقوسي الليلية التي تنتهي بالنوم وربمّا لم أكن أستطيع النوم دون القيام بذلك، لهذا كنت أشعر بالتعب وأرهقتني التساؤلات عنها في هذه الأثناء وجعلتني أبحث عن اجابات، رحت أنظر هنا وهناك بيد أنني دهشت حين رأيت باب بيتها الخارجي مفتوحاً في هذا الوقت المتأخر، قادني فضولي فاتبعتّه، اقتربت، تسرّب ضوء خافت من شقوق الباب الخشبي للبيت ولا أعرف حينها كيف دخلت حتى انني مددت يدي لأغلّق الباب خلفي ومضيت عبر الممر المؤدي الى غرفتها.
ألفيت باب غرفتها نصف مفتوح، تسلّل الخوف الى جوفي لحظتها وانقبض صدري ووجدت نفسي مرتبكاً وحائراً ولا أدري ماذا أفعل في بيت لا أعرف سكانه، لم أرى منهم غير ظلّ امرأة أراه آخر الليل في أثناء عودتي الى البيت، تساءلت في نفسي:
من هي؟
من يسكن معها؟
وكيف تعيش؟ ولماذا تبقى يقظة إلى تلك الساعة المتأخرة من الليل؟
لا أدري ولكن لماذا أتيت إلى بيتها في هذا الوقت، هل هي نظرة عفوية لمرور عابر؟! أم أنّ ثمّة من يتسلّط عليّ ويقودني إليها أيكون ثمّة شيء لا أعرف كنهه ولماذا ومن المقصود بهذا كلّه؟ تساؤلات تغرق ذاكرتي المثقلة.
هممت بالمغادرة لإنهاء مغامرتي تلك وسيل جارف من الأسئلة المبهمة يداهمني لولا أنّ يداً خفّية التصقت بظهري ودفعتني باتجاه المدخل المؤدي الى البيت، فجأة انغلّق الباب، تجمدّت خطواتي وبقيت واقفاً في مكاني أتلفّت حائراً، منتظراً أن تجيء هي أو أيّ أحد ممّن في البيت لكن انتظاري طال و بدا لي حينها أن البيت خالياً تماماً ورحت ألوم نفسي كيف أنني وضعتها في موقف صعب ندمت على تسرّعي وقيامي بالدخول من غير أن أحسّب العواقب، ترى لو رآني أحد وقام بإبلاغ الشرطة عنّي، هل سأجدّ ما أدافع به عن نفسي وماذا كنت سأقول لأبرر اقتحامي للبيت في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ وأصلاً ما حقيقة صلتي بالمرأة في الغرفة العلويّة؟ وهل سيصدق أيّ عاقل انني مجرّد عابر سبيل يمرّ لآخر الليل فينظر الى غرفة شبه مضاءة، فيها ملامح لامرأة يمكن أن يجعلني أدخل البيت بهذه الطريقة متسللاً؟ لا أعرف حقيقة ما أريده؟
صمت مطبق يلّف البيت فيما انزلقت قدماي تتحسسان أرضيّة البيت للخروج عندما لمحت ضوء خافت يأتي من فتحة باب وبالحذر نفسه والخوف وقفت قاطعاً أنفاسي، كنت أقول أنّ قدري من يقودني الآن وانني أسلّمت نفسي لما يحصل وسيحدث لي، كنت أحاول أن أتّبع فضولي لأبدّد الغموض من حولي، تساءلت في جوفي: ما الذي يمكنني فعله وأنا في ذلك المكان وبتلك الحالة مقفلاً عليّ من الخارج؟!.
تنبّهت للضوء الخافت يكشف أجزاء من الدرج المؤدي الى الطابق العلوي، درجة، درجة صعدّت فاتحاً ذهني ومستنفراً لحواسي ومشيت عبر الممّر حيث انتهيت معه إلى باب مفتوح لغرفة ينبعث منها ضوء، دخلت اليها وفوجئت بوجود شخص يجلس على الكرسي وبدا كأنه على موعد لقدومي ومتهيّئاً له، فما أن ولجت قدماي داخل الغرفة حتى نهض.
انغلّق باب الغرفة خلفي كما حدث معي من قبل، التفّت الى الباب بحركة لا اراديّة، نظرت أمامي لأجدّ نفسي بمواجهة الرجل وهالني ما رأيت اذ أنّه كان أنا؟!
كنت أنا نفسي من يجلس في ذلك الكرسي، رحت أحملّق وأدقّق بوجهي وعقلي يكاد يطير مني، كنت أنظر اليه مذهولاً، مدهوشاً ومشوّشاً غير مصدّق ما أرى، صرت أدور حوله وأمعنّ النظر فيه عندها أدركت انني جننت وهل يوجد دليل على جنون أحد أكثر من ذلك؟
أيمكن أن أكون واقفاً أمام شخص فيما أنا جالس على الكرسي أيضاً؟
شعرت بالفزع وأن عقلي كلّه يهرب ويكاد جسدي ينهار ويتناثر حين نهض الرجل متجهاً نحوي قائلاً:
لا، لست مجنوناً، أنت من سوّلت لك نفسك وأغرّتك واستدرجتك، أقصد أنا الذي تدعوه أنت.
في هذه الأثناء شعرت بالخوف أكثر من قبل عندما راح يتحرك أمامي ويكاد يلمسني اذ خالجني شعور أنّه يلبس قناع وجهي ويتخفّى وراءه، أقنعت نفسي انّ من أراه ليس أنا ولكن هذه الملامح، ملامحي، الوجه، الشعر، والفم، هذه كلّها ملامحي أنا وخطوط وجهي، تضاريسه كلّها بأدق تفاصيله موسومة على وجهه.
دون أن أنتبه أو أشعر دفعني بقوّة، بكلتا يديه الى الكرسي وأجلّسني عليه بالقوّة، رغماً عنّي وراح يقول لي:
أنت تدّعي أنك لا تعرفني، أعني أنا، الذي قد يكون الآن هنا معك ويكون بالوقت نفسه في مكان آخر؟
وبالكاد نطقت: ماذا تريد مني؟
تنبّهت الى صورة كان يمسكها بين أصابعه وينظر فيها، فجأة وضعها أمام وجهي وسأل: تأمّل الصورة، خيّل لي أنّها صورة تلك المرأة التي كنت أرى ملامحها في الغرفة العلوية في أثناء مروري المتأخر ورحت أردد انّها هي، كانت حيرتي كبيرة غير أنني لم أكن أعي شيئاً ممّا يحدث، أرى وأسمع ولا أعي، تختلط في رأسي الأفكار والهواجس فأضيّعها كلّها.
من جديد، دار حولي، كان يدخن، قال: رأيت ملامحها ويقصد الصورة، يتابع حديثه:
هذه الصورة رأيت معالمها أنا نفسي في رأسك، رسمتها عن وجودها في خيالك ولأنّ بقاءها لي وحدي مسألة موت أو حياة بالنسبة لي، كم كان سهلاً عليّ الامساك بك ودفعك الى مغازلة النافذة وهكذا أراك، المتخفّي وراء ستار العزلة والسذاجة وعرفت في الأثناء أنك تراها وهي تقف وسط الضوء الخافت، كنت ترمي لإخراجها الى الضوء الساطع في وضح النهار، عندها فقط سيفتضّح أمري وسرّ وجودي وتدفع بي الى النهاية والفناء.
صمت محدّقاً بي فيما كنت أنظر في الفراغ وسؤال نفسي:
أيمكن هذا أن يحصل لي أم حصل لآخرين؟
فجأة رفع اليّ نظره مصوّباً نحوي عينين ناريّتين قائلاً: دعك من هذا، لم أسمع وأدرك انني لم أسمع، فأعاد القول: كفّ عنها، وهل رأيتها أنا؟!
قال: كنت تحاول أن تعرفها وأن تعرف من تكون، لهذا أتيت بك الى هنا لأنصّحك أن تكفّ عنها. سألت مبهوتاً غير مصدّقاً ما أسمع أو أرى ولا أعرف كيف أفكّر وبماذا أجيب ولا سيّما انني أجهل كل شيء يتكلّم عنه هذا الشخص الماثل أمامي، أنا؟
صمت برهة كأنّه يحاول أن يتبيّن أثر كلامه ووقعه في نفسي، واصلت احتجاجي قائلاً:
ولكنني لم أفكر بها على النحو الذي تتخيّله فما كنت أتذكرّها الاّ حين كانت تلوّح لي من خلف ستارة نافذتها.
قال: لكنها كانت تراودك كرغبة وتريدها أن تجيئك في حلم يقظة؟
في الأثناء ساورتني الأفكار، ربما يشبهني فقط ولست أنا، هو قال: نعم أنت، أنت الآن صرت تراها تماماً داخل أفكارك، تعرف تفاصيلها وملامحها وجسدها وأخشى أن تجهر برؤيتك لها أمام الناس، أخشى أن تفضحني ولهذا أتيت بك الى هنا، حتى تبقى لي وحدي أنا، توقف عن الكلام برهة، ثم قال:
اسمع، لا شأن لك بها منذ اللحظة ولن تفكّر بها أو مجرد أن تتخيّلها، انها ليست موجودة لا في هذا البيت ولا في أيّ مكان آخر ولا حتى في رأسك، أخبرني من يضمّن لي أنك لن تحّث الآخرين بما رأيت وسمعت؟!
قلت: أقسم لك، لم أر أو أسمع وسأغيّر حتى الشارع الذي أعود منه الى بيتي، فقط اتركني وشأني.
عند سماعه ذلك انفجر ضاحكاً، ضحكة هستيريّة، مثل ضحكة ذئب وبدا كأنّه لم يقل لي شيئاً، أو لم يسمع مني كلمة اذ شعرت بحركة خفيفة تشبه حفيف الريح عندما انقضّ عليّ بكلتا يديه محاولاً قتلي.
متأخراً على غير عادتي استيقظت صباحاً فدهشت من وجودي في بيتي، نهضت منتفضاً، تلمّست جسدي، دققت بملامح وجهي في المرآة لأتأكدّ، عجباً لم يكن ثمّة شيء أو علامة لما حدث في الليلة الماضية وببطء تحركت الى خارج البيت اذ لمحت جمهرّة في الشارع وتناهت الى مسامعي أصوات وصرخات وعويل وأسئلة غامضة، مبهمّة تتحدث عن العثور على رجل وجد مقتولاً في شقّته، يقولون بسبب علاقته بامرأة يعشقها؟!.
القاص حسان علي عضو أتحاد الصحفيين والكتاب الدولي
Application
I ask to accept me in members of the International Union of Journalists and writers.
In accordance to the Law of Ukraine «About Protection of Personal Information » I consent to the processing of your personal information.