فوضى البث الفضائي
راسم المدهون
لا أظن أن ساحة إعلامية ما في عالمنا تعيش حالة الفوضى التي تعيشها الحالة التلفزيونية الفضائية العربية. أقول حالة وفي البال بالطبع ما يمكن أن يقوله بعضهم رداً على وصفي بأنها «الحرية»، لذا أسارع للتوضيح أن ما أسميها «حالة» هنا هي شيء آخر لا علاقة له بالحرية وإن انتسبت إليها وأتت في سياقها
قبل عقدين ويزيد، تفاءل المشاهدون العرب في مختلف بلدانهم وفي الشتات ببدء البث الفضائي العربي وانتشاره ووصوله إلى كل البيوت، ورأوا فيه وسيلة بالغة الفاعلية للتقريب بين مختلف بلدانهم، وحتى لردم فجوات الوعي المفقود والمغيب على مدار عقود. ولكن للأسف جاءت النتائج على عكس الآمال الكثيرة. بدلاً من تقريب العرب، حقق البث الفضائي بنسخه العربية التي لا تحصى تباعداً أكثر، أما الوعي المنشود فلم يأت بل إن ما أتى كان وما زال إشاعة وتكريس مفاهيم متخلفة تبدأ بالطائفية ولا تنتهي بالقبلية وكل ما هو قبل الدولة الحديثة
ليست المسؤولية على عاتق البث الفضائي قطعاً فهو ثمرة العلم والتطور واستفادت منه بلاد كثيرة في العالم، لكنها على عاتق حالة الفوضى التي استخدمت بمكر مدمر مفهوم الحرية وحوّلته إلى حرية ذات لغة شــريرة ومضامين شريرة أيضاً
كثر من الفضائيات التي تعتبر نفسها دينية ليست في الحقيقة سوى منابر للتكفير و «فتاوى» إثارة النعرات الطائفية وتحفيز الغرائز على نحو بالغ الخــطورة كانت نتائجه المباشرة إراقة الدم العربي وإيقاع العرب كأمة في التباسات ضارة
ما يحدث اليوم في غير بلد عربي من صراعات دامية تتحمّل قسطاً من المسؤولية عنه القنوات الفضائية العربية، أو لنقل بدقة تلك القنوات التي أخذت على عاتقها مهمة خلط الحقائق بالأكاذيب وحتى بالأوهام، فوجهت الوعي العام نحو قضايا زائفة وخلقت أعداء وهميين صرفت الأنظار عن الأعداء الحقيقيين، وفي المقدمة منهم التخلف بما هو حالة هزيمة مـــسبقة أمام معضلات التطور والتحديث التي يحتاجها العرب
هل هي سنّة التطور وثمنه؟
ربما، لكن الأكيد أننا لم نستطع حتى اللحظة استثمار البث الفضائي على نحو إيجابي ومفيد، ولم نتمكن من توظيفه لمصلحتنا كأمة وحتى كبلدان منفردة